kawalisrif@hotmail.com

سبتة تُفجّر عاصفة في مدريد … «فوكس» يرفع شعار «الخيانة» في وجه سانشيز ويدفع نحو المحكمة العليا !

سبتة تُفجّر عاصفة في مدريد … «فوكس» يرفع شعار «الخيانة» في وجه سانشيز ويدفع نحو المحكمة العليا !

لم تعد أزمة سبتة المحتلة، إحدى الثغرين المغربيين اللذين ما تزال المملكة تجدد مطالبتها باسترجاعهما، مجرد أزمة هجرة عابرة أو خلاف تقني حول تدبير الحدود، بل بدأت تتحول إلى قنبلة سياسية داخل مدريد، بعدما قرر حزب «فوكس» اليميني رفع سقف المواجهة مع رئيس الحكومة بيدرو سانشيز، متهماً إياه بما وصفه بـ«الخيانة»، وداعياً إلى تفعيل مادة دستورية قد تفتح الباب أمام مسار للمساءلة الجنائية أمام المحكمة العليا. وهكذا، وفي ظرف سياسي إسباني شديد الحساسية، انتقلت سبتة من خانة «أزمة حدودية» إلى خانة «أزمة حكومية» … وربما لم يكن ينقص المشهد سوى أن تتحول المدينة المحتلة إلى ورقة انتخابية جاهزة كلما احتاج اليمين الإسباني إلى رفع الصوت.

زعيم «فوكس»، اختار هذه المرة لغة شديدة اللهجة، مؤكداً وجود ما وصفه بـ«مؤشرات وأدلة أكثر من كافية» تستوجب التحقيق مع سانشيز، على خلفية طريقة تدبير حكومته لأزمة الهجرة في سبتة المحتلة. ولم يتوقف التصعيد عند حدود الانتقاد السياسي، بل وصل إلى المطالبة بوضع القضية أمام القضاء، في خطوة تكشف حجم التوتر الذي بات يطبع المشهد السياسي الإسباني، حيث يبدو أن قاموس المواجهة لم يعد يكتفي بكلمات من قبيل «الفشل» و«المسؤولية»، بل بدأ يقفز سريعاً إلى «الخيانة» والمحاكم.

وقال أباسكال إن «خيانة بيدرو سانشيز للإسبان يجب أن تصل إلى المحاكم»، معلناً أن حزبه سيحاول اللجوء إلى الآلية المنصوص عليها في المادة 102 من الدستور الإسباني لمساءلة رئيس الحكومة وأعضاء حكومته أمام الدائرة الجنائية للمحكمة العليا. وهي خطوة يمكن، في حال استوفت الشروط البرلمانية المطلوبة، أن تمنح أزمة سبتة أبعاداً سياسية وقانونية غير مسبوقة، وإن كان الطريق بين إطلاق الاتهام السياسي والوصول فعلياً إلى قاعات المحكمة أطول بكثير من المسافة التي توحي بها الخطب الحماسية أمام الكاميرات.

ويضع «فوكس» في صلب اتهاماته ما يقول إنه وجود معرفة مسبقة لدى الحكومة الإسبانية بما كان يجري في سبتة، متهماً حكومة سانشيز بسوء تدبير الأزمة وعدم التعامل معها بالشكل الذي يراه الحزب مناسباً لحماية الحدود. وفي خلفية هذا التصعيد، تقف سبتة المحتلة، إحدى نقطتي التماس اللتين تواصل المملكة المغربية التأكيد على مغربيتهما والمطالبة باسترجاعهما، والتي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في معادلة الهجرة والأمن والعلاقات المغربية-الإسبانية. مدينة صغيرة في الجغرافيا، لكنها تكبر كثيراً في خطابات السياسيين كلما اقترب موعد الانتخابات أو اشتد التنافس على أصوات اليمين.

لكن الطريق من منصة البرلمان إلى قاعة المحكمة ليس مفتوحاً أمام «فوكس» بهذه السهولة. فالمادة 102 من الدستور الإسباني تفرض شروطاً مشددة لمباشرة المسؤولية الجنائية لرئيس الحكومة أو الوزراء، خصوصاً عندما يتعلق الأمر باتهامات بالخيانة أو بجرائم ضد أمن الدولة. وفي هذه الحالات، لا يكفي أن يرفع حزب ما سقف الاتهام، بل يتعين أن تبدأ المبادرة من ربع أعضاء مجلس النواب على الأقل، قبل أن تحصل على موافقة الأغلبية المطلقة للمجلس. أي أن الحماس السياسي شيء، والحساب البرلماني شيء آخر تماماً.. وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

وتظهر العقبة الكبرى أمام «فوكس» في كونه لا يمتلك وحده العدد البرلماني الذي يسمح له بفرض هذا المسار، ولذلك أعلن وضع أصوات نوابه رهن إشارة الكتل السياسية الراغبة في الانضمام إلى المبادرة، في محاولة لتحويل القضية من معركة خاصة بـ«فوكس» إلى مواجهة برلمانية أوسع مع حكومة سانشيز. وبعبارة سياسية أبسط: «فوكس» يملك الاتهام ويرفع السقف، لكنه يحتاج إلى آخرين لامتلاك المفتاح الذي يمكن أن يفتح الباب الدستوري.. وهنا لا تكفي الخطب ولا الشعارات.

وفي الجهة المقابلة، يجد الحزب الشعبي نفسه أمام اختبار سياسي دقيق. فهو يواصل الضغط على حكومة سانشيز وانتقاد تدبيرها لملف الهجرة والحدود، لكنه لم يتبنَّ، إلى حدود الآن، اتهام «فوكس» لسانشيز بالخيانة. وبينما يريد الحزب الشعبي محاصرة الحكومة سياسياً، يسعى «فوكس» إلى الذهاب أبعد من ذلك بكثير، مستثمراً ملف الهجرة لاستقطاب الناخبين اليمينيين وتقديم نفسه باعتباره القوة الأكثر تشدداً في قضايا الحدود والأمن. وبين الحزبين، تبدو سبتة المحتلة وكأنها وجدت نفسها مرة أخرى في قلب سباق سياسي لا علاقة لها بقواعده، لكنها تتحمل تبعاته.

وهكذا، تحولت سبتة المحتلة إلى أكثر من مجرد عنوان في نشرات الأخبار الإسبانية. فالمدينة أصبحت نقطة تقاطع بين أزمة الهجرة، وحماية الحدود، والأمن القومي، والصراع الحاد بين أحزاب اليمين، فضلاً عن حساسيتها الخاصة في العلاقات المغربية-الإسبانية. وكلما ارتفع منسوب التوتر حولها، ازدادت قيمتها كورقة سياسية في مدريد، وكأن كل أزمة جديدة تمنح السياسيين مناسبة جديدة لإعادة اكتشاف أهمية الحدود أمام الكاميرات، بينما يبقى أصل القضية، بالنسبة إلى المغرب، واضحاً: سبتة ومليلية أراضٍ مغربية ما تزال المملكة تطالب باسترجاعهما بالوسائل السياسية والدبلوماسية.

وبينما تحاول حكومة سانشيز مواجهة الانتقادات واحتواء تداعيات أزمة الهجرة، يبدو أن «فوكس» وجد في أزمة سبتة فرصة لفتح جبهة جديدة ضد رئيس الحكومة، عبر نقل النقاش من سؤال «كيف أُديرت الأزمة؟» إلى سؤال أكثر خطورة: هل توجد مسؤولية سياسية يمكن أن تتحول إلى مسؤولية جنائية؟ وحتى الآن، يظل ذلك في إطار التحرك السياسي والاتهامات التي يطرحها الحزب، وليس حكماً قضائياً على سانشيز، وهي نقطة تستحق التذكير بها وسط حرارة الخطاب السياسي، حتى لا تتحول المنابر السياسية إلى محاكم تصدر الأحكام قبل أن تصل الملفات إلى القضاء.

وفي انتظار معرفة ما إذا كان «فوكس» سيتمكن من جمع الدعم البرلماني اللازم، ستظل سبتة المحتلة حاضرة بقوة في قلب المعركة السياسية الإسبانية. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بالمهاجرين الذين يحاولون الوصول إلى المدينة، وإنما أصبحت جزءاً من صراع أكبر على الأمن والحدود والسلطة، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى مدريد لمعرفة ما إذا كانت عاصفة «الخيانة» ستبقى مجرد شعار سياسي مرتفع الصوت، أم أنها ستجد فعلاً طريقها نحو البرلمان والمحكمة العليا. أما من الجانب المغربي، فتبقى المعادلة أبسط من كل هذه المناورات: سبتة ومليلية أراضٍ مغربية محتلة، ومطلب استرجاعهما يظل ثابتاً ضمن القضايا الوطنية التي تؤكد المملكة تمسكها بمعالجتها في إطار الحوار والوسائل السياسية والدبلوماسية.

11/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts