رفعت الأحداث الأخيرة التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة منسوب التنسيق بين الرباط ومدريد، بعدما كشف وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أن اتصالاته مع نظيره المغربي تجري بشكل يومي، وأحياناً «عدة مرات في اليوم»، في إطار المساعي الرامية إلى احتواء تداعيات موجة الدخول غير النظامي إلى المدينة، وضمان إعادة الأشخاص الذين تمكنوا من الوصول إليها.
وجاءت تصريحات ألباريس خلال زيارة قام بها، اليوم الثلاثاء، إلى سبتة المحتلة، بعد 12 يوماً من الأحداث التي شهدتها المنطقة الساحلية للمدينة، والتي عرفت وصول أعداد كبيرة من المهاجرين انطلاقاً من الجانب المغربي. والتقى الوزير الإسباني برئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، الذي كان قد طالب بتوحيد القيادة المكلفة بتدبير الأزمة، في ظل استمرار تداعياتها ووجود مهاجرين دخلوا بشكل غير نظامي، إلى جانب قاصرين غير مصحوبين.
وأكد المسؤول الإسباني أن مدريد والرباط ملتزمتان بمواجهة هذا النوع من الأحداث، مشدداً على ضرورة الوصول إلى وضع يتم فيه «إرجاع آخر شخص دخل بشكل غير نظامي إلى إسبانيا» إلى المغرب. ويعكس هذا التصريح حجم الرهان الإسباني على التعاون مع الرباط في تدبير الملف، خصوصاً أن موقع سبتة المحتلة يجعل أي تطور أمني أو مرتبط بالهجرة ذا انعكاسات مباشرة على العلاقات بين البلدين.
وفي لهجة لافتة، لم يوجه ألباريس انتقادات جديدة إلى المغرب، بل شدد على أهمية التعاون القائم بين الطرفين، مؤكداً أن الرباط أبلغته طوال الوقت بإرادتها في منع تكرار مثل هذه الأحداث. كما أوضح أن هذا الالتزام المغربي لم يكن، وفق تصريحاته، مرتبطاً بطلب أي مقابل، في رسالة تعكس رغبة مدريد في الحفاظ على قنوات التواصل المفتوحة مع المملكة في ظل حساسية المرحلة.
وتأتي هذه التصريحات في سياق أزمة أعادت سبتة ومليلية المحتلتين إلى واجهة النقاش السياسي والأمني الإسباني، بعدما أصبحت المدينتان مرة أخرى محوراً للجدل حول الهجرة وحماية الحدود والتنسيق مع المغرب. فالموقع الجغرافي للمدينتين يجعلهما نقطتي تماس مباشرتين مع المملكة، ويجعل أي تحرك جماعي نحو حدودهما محط اهتمام أمني وسياسي كبير في مدريد.
وفي الوقت الذي تحاول فيه إسبانيا احتواء تداعيات الأحداث، وجه ألباريس رسالة مباشرة إلى الأشخاص الموجودين في المغرب أو في مناطق أخرى من إفريقيا، محذراً إياهم من الانخراط في محاولات الدخول غير النظامي إلى سبتة أو مليلية المحتلتين. وقال إن عليهم ألا يخاطروا بحياتهم وأموالهم ومستقبلهم في مغامرة محكوم عليها بالفشل، مؤكداً أن من يدخل بطريقة غير نظامية سيتم إرجاعه.
وأضاف الوزير الإسباني أن الوصول إلى سبتة أو مليلية المحتلتين بطريقة غير نظامية لا يعني الوصول إلى إسبانيا القارية أو باقي القارة الأوروبية، كما لن يسمح لمن يدخل بهذه الطريقة بالبقاء بشكل دائم في المدينتين. وتكشف هذه الرسالة عن توجه إسباني نحو تعزيز سياسة الردع، بالتوازي مع الاتصالات الأمنية والدبلوماسية الجارية مع المغرب لمنع تكرار محاولات الدخول الجماعي.
وتزامنت أزمة سبتة المحتلة أيضاً مع توتر إسباني إيطالي حول ملف الهجرة وفضاء شنغن، بعدما استدعى ألباريس السفير الإيطالي في مدريد، جوزيبي بوتشينو غريمالدي، للاحتجاج على موقف روما من تعليق ترتيبات شنغن مع إسبانيا. كما تصاعدت حدة الخطاب بين حكومة بيدرو سانشيز وحكومة جورجيا ميلوني، في ظل خلافات أوسع حول كيفية التعامل مع الهجرة غير النظامية وأمن الحدود الأوروبية.
وبينما تتسع تداعيات أزمة سبتة المحتلة على المستوى الأوروبي، تبرز الرباط مجدداً باعتبارها طرفاً أساسياً في أي مقاربة إسبانية لاحتواء الوضع، وهو ما تؤكده كثافة الاتصالات بين وزيري خارجية البلدين. فمدريد تدرك أن التعامل مع التحديات الأمنية والهجرة في محيط سبتة ومليلية المحتلتين يمر بالضرورة عبر التنسيق مع المغرب، بالنظر إلى الجغرافيا وتشابك المصالح الأمنية والاقتصادية والإنسانية بين الضفتين.
وتعيد الأحداث الأخيرة التأكيد على أن ملف سبتة ومليلية المحتلتين لا يمكن اختزاله في الجانب الأمني أو في محاولات الهجرة غير النظامية فقط، بل يظل ملفاً شديد الحساسية في العلاقات المغربية الإسبانية، بحكم الوضع الخاص للمدينتين المحتلتين وموقعهما الجغرافي. ولذلك، فإن استمرار التنسيق بين الرباط ومدريد قد يكون حاسماً في منع تكرار مثل هذه الأحداث، خصوصاً مع ارتفاع المخاوف الإسبانية من موجات جديدة للدخول الجماعي.
وفي خضم هذه التطورات، يبدو أن مدريد اختارت في المرحلة الحالية لغة التنسيق مع الرباط بدل التصعيد، فيما يؤكد تكرار الاتصالات بين المسؤولين في البلدين أن التعاون المغربي الإسباني أصبح عنصراً مركزياً في تدبير تداعيات الأحداث بسبتة ومليلية المحتلتين. وبينما تسعى إسبانيا إلى إعادة من دخلوا بشكل غير نظامي ومنع محاولات جديدة، يبقى المغرب أمام اختبار جديد في تدبير ملف حساس يتقاطع فيه الأمن والهجرة والعلاقات الثنائية وقضية المدينتين المحتلتين.
11/08/2026