لم تعد أزمة الهجرة المرتبطة بسبتة مجرد ملف أمني عابر للحدود الأوروبية، بعدما دخلت على خطها رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني بقرار أثار الكثير من علامات الاستفهام حول دوافعه الحقيقية.
ففي وقت قدّمت فيه الحكومة الإيطالية تعليق قواعد التنقل المرتبطة باتفاقية شنغن مع إسبانيا باعتباره إجراءً احترازياً لحماية الأمن والحدود، يرى المركز الأوروبي للسياسات أن خلفية القرار قد تكون أبعد من مجرد مواجهة الهجرة غير النظامية، وترتبط بدرجة أكبر بالحسابات السياسية والانتخابية لميلوني، التي تستعد لانتخابات برلمانية مرتقبة سنة 2027.
وفي تحليل للباحث أندريا دي بيتريس، يعتبر المركز أن روما اختارت مبكراً وضع مدريد في مرمى المسؤولية عن تدفقات المهاجرين القادمة من المغرب، واتخاذ إجراءات تقييدية تجاه القادمين من إسبانيا، في خطوة قد تكون، وفق التحليل، محاولة لتحصين الحكومة الإيطالية من الانتقادات التي قد تلاحقها بشأن ملف الهجرة.
وكانت ميلوني قد أعلنت تعليق العمل بقواعد شنغن بالنسبة إلى رعايا الدول الثالثة القادمين من إسبانيا عبر الموانئ والمطارات الإيطالية، مبررة القرار بضرورة “منع التداعيات المحتملة على بلادنا”، وبأن الهجرة غير النظامية غير المضبوطة تمثل، بحسب الحكومة الإيطالية، تهديداً حقيقياً لأمن الحدود الأوروبية.
وبموجب الإجراء، أُعيدت الرقابة على المسافرين القادمين من إسبانيا، وأصبح هؤلاء مطالبين بالخضوع لإجراءات التفتيش وتقديم وثائق سفر سارية، فيما يتعين على رعايا الدول من خارج الاتحاد الأوروبي إثبات قانونية إقامتهم أو توفرهم على تأشيرة صالحة.
لكن التحليل الأوروبي يطرح سؤالاً بسيطاً ومحرجاً لروما: إذا كانت المشكلة مرتبطة أساساً بتدفقات سبتة، فكيف يمكن لقرار يستهدف القادمين من إسبانيا أن يعالج مساراً لا يمر أصلاً بالطريقة التي توحي بها الحكومة الإيطالية؟
بحسب المركز، فإن الوصول إلى سبتة لا يمنح المهاجر تلقائياً حرية التنقل داخل الأراضي الإسبانية القارية، كما أن المدينة تخضع لوضع خاص في ما يتعلق بمنطقة شنغن.
والأكثر إثارة للجدل أن الإجراءات الإيطالية تتركز على المطارات والموانئ، دون أن تشمل الحدود البرية بالطريقة نفسها.
وهنا تظهر المفارقة التي يبرزها التحليل: شخص يدخل الأراضي الإسبانية بصورة غير قانونية يمكنه، من الناحية النظرية، التنقل عبر إسبانيا وفرنسا ثم محاولة الوصول إلى إيطاليا عبر الحدود الفرنسية ـ الإيطالية، دون أن يخضع بالضرورة لنفس إجراءات الرقابة التي فُرضت على القادمين جواً وبحراً من إسبانيا.
المركز الأوروبي للسياسات يضع قرار ميلوني في إطار سياسي أوسع: الانتخابات البرلمانية الإيطالية لعام 2027 بدأت تلقي بظلالها على معركة الهجرة.
فملف الهجرة أصبح واحداً من أكثر الملفات حساسية داخل الساحة السياسية الإيطالية، في وقت تواجه فيه حكومة ميلوني منافسة متزايدة من قوى يمينية تدعو إلى إجراءات أكثر تشدداً تجاه طالبي اللجوء والمهاجرين.
ويشير التحليل إلى صعود حزب “المستقبل الوطني” بقيادة الجنرال روبرتو فاناتشي، والذي بدأ، وفق استطلاعات الرأي التي يستند إليها المركز، في استقطاب جزء من أصوات الناخبين على حساب قوى يمينية أخرى، من بينها “الرابطة” و“إخوة إيطاليا”.
وهنا، وفق القراءة التي يقدمها المركز، قد يكون تحرك ميلوني رسالة سياسية قبل أن يكون مجرد إجراء حدودي: عدم ترك ملف الهجرة لخصومها في اليمين كي يستخدموه ضدها انتخابياً.
كما يلفت التحليل إلى أن ميلوني سبق أن عبّرت عن دعمها لحزب فوكس الإسباني اليميني بقيادة سانتياغو أباسكال، الذي حمّل بدوره رئيس الوزراء الإسباني الاشتراكي بيدرو سانشيز مسؤولية أزمة سبتة.
وبذلك، تبدو الأزمة وكأنها تجاوزت حدودها الجغرافية لتتحول إلى معركة سياسية عابرة للحدود بين اليمين الأوروبي واليسار الإسباني.
وبحسب المركز، فإن تحميل مدريد مسؤولية التدفقات القادمة من المغرب، والتعجيل بإجراءات رقابية ضد القادمين من إسبانيا، قد يكون جزءاً من محاولة ميلوني إعادة رسم موقعها داخل اليمين الإيطالي قبل دخول السباق الانتخابي رسمياً.
ويبقى السؤال الأكثر إحراجاً: هل تتحرك ميلوني فعلاً لحماية الحدود الأوروبية، أم أنها تستثمر أزمة سبتة لحماية رصيدها الانتخابي؟
فبين شعار “الأمن” وحسابات صناديق الاقتراع، يبدو أن ملف الهجرة بدأ يتحول في إيطاليا إلى سلاح سياسي مبكر في معركة 2027.
11/08/2026