kawalisrif@hotmail.com

ذهب غارق يشعل معركة جبل طارق … محاولة انتشال كنز من الأعماق تفتح من جديد حرب الـ12 ميلاً بين بريطانيا وإسبانيا

ذهب غارق يشعل معركة جبل طارق … محاولة انتشال كنز من الأعماق تفتح من جديد حرب الـ12 ميلاً بين بريطانيا وإسبانيا

عاد ملف المياه الإقليمية المحيطة بجبل طارق إلى الواجهة من جديد، وسط مؤشرات على احتمال إعادة فتح واحدة من أكثر القضايا حساسية بين إسبانيا وبريطانيا، بعدما كشفت وثائق دبلوماسية وشهادات مسؤولين سابقين أن لندن سبق أن رفضت توسيع نطاق المياه التي تطالب بها للصخرة من 3 أميال بحرية إلى 12 ميلاً، خشية اندلاع مواجهة مع مدريد.

وتعود خلفية القضية إلى سفينة حربية بريطانية تحمل اسم «إتش إم إس ساسكس»، غرقت قبالة جبل طارق سنة 1694، ويعتقد أنها كانت تحمل شحنة مهمة من الذهب. وقد دخلت شركة أمريكية متخصصة في البحث عن حطام السفن، هي «أوديسي مارين إكسبلوريشن»، على خط القضية، بعدما أبرمت اتفاقاً مع الحكومة البريطانية للبحث عن السفينة الغارقة وانتشال حمولتها.

غير أن موقع الحطام المفترض شكل عقدة قانونية وسياسية، بعدما تبين أنه يقع خارج نطاق الأميال البحرية الـ3 التي تعتبرها بريطانيا حالياً مياه إقليمية تابعة لجبل طارق. ولهذا السبب ضغطت الشركة الأمريكية على الحكومة البريطانية من أجل توسيع نطاق المطالبة إلى 12 ميلاً، حتى تتمكن من تنفيذ عملياتها تحت مظلة حماية بريطانية واضحة.

لكن لندن اختارت التراجع، ليس بسبب عوائق تقنية مرتبطة بعملية البحث، وإنما بسبب الخشية من استفزاز إسبانيا وإشعال أزمة جديدة حول المياه المحيطة بجبل طارق. وهنا تتحول قصة سفينة غارقة منذ أكثر من 3 قرون إلى مفتاح لفهم صراع أوسع بكثير حول الحدود والسيادة والنفوذ البحري.

فالقانون الدولي للبحار يسمح للدول، في ظروف محددة، بإقامة بحر إقليمي يمتد إلى 12 ميلاً بحرياً، غير أن تطبيق هذه القاعدة على جبل طارق ليس مسألة محسومة، بسبب استمرار النزاع حول وضع الصخرة وتفسير معاهدة أوترخت التي تعود إلى سنة 1713.

وتتمسك إسبانيا بموقف مفاده أن معاهدة أوترخت التي تنازلت بموجبها عن جبل طارق لم تتضمن التنازل عن المياه الإقليمية المحيطة به، بينما تعتمد بريطانيا موقفاً مخالفاً، وتعتبر المياه المحيطة بالصخرة جزءاً من المجال البحري البريطاني المرتبط بجبل طارق.

وتزداد حساسية الملف لأن أي انتقال بريطاني من المطالبة بـ3 أميال إلى المطالبة بـ12 ميلاً لن يكون مجرد تعديل تقني للحدود البحرية، بل سيشكل خطوة سياسية وقانونية يمكن أن تغير الوضع القائم وتعيد النزاع الإسباني البريطاني حول مياه جبل طارق إلى الواجهة بقوة.

وفي الوقت الذي عادت فيه هذه القضية إلى النقاش، خرج رئيس حكومة جبل طارق، فابيان بيكاردو، ليؤكد أن سلطات الصخرة طالبت بريطانيا منذ فترة طويلة بالمطالبة بـ12 ميلاً بحرياً. وهو تصريح يحمل دلالة سياسية واضحة، خصوصاً أن الوثائق الجديدة تكشف أن الحكومة البريطانية كانت قد درست بالفعل هذا الخيار في الماضي، لكنها فضلت عدم الإقدام عليه لتجنب الصدام مع مدريد.

ولم تكن إسبانيا في تلك المرحلة مستعدة للتنازل عن موقفها. فعندما حاولت شركة «أوديسي» البحث عن حطام السفينة البريطانية، اعتبرت مدريد أن المنطقة تقع ضمن مجال تتوفر فيه لها حقوق واختصاصات، ودفعت بدوريات تابعة للحرس المدني لمراقبة الأنشطة التي كانت الشركة الأمريكية تقوم بها بالقرب من جبل طارق.

وفي سنة 2005، بلغ التوتر مستوى لافتاً عندما حذرت وزيرة الثقافة الإسبانية آنذاك، كارمن كالفو، من أن عمليات البحث التي كانت تعتزم شركة «أوديسي» تنفيذها ستجري، وفق الوثائق التي ظهرت لاحقاً، رغم اعتراض مدريد الشديد. وكان واضحاً أن القضية لم تعد مجرد بحث عن حطام بحري، وإنما تحولت إلى مواجهة غير مباشرة حول من يملك الحق في التحكم في تلك المياه.

وبعد عامين، أي سنة 2007، تعقدت القضية أكثر بعدما سحبت إسبانيا ترخيصاً كان يسمح للشركة بمواصلة عمليات البحث عن السفينة «ساسكس»، إثر قيام «أوديسي» باستعادة شحنة أخرى من العملات من حطام سفينة مختلفة، وهي عملية اعتبرتها السلطات الإسبانية غير قانونية. وانتهى المشروع في نهاية المطاف، لكن الخلاف القانوني والسياسي بقي قائماً.

واليوم، وبعد سنوات طويلة، تعود قضية الـ12 ميلاً إلى السطح من بوابة جديدة. فالمسألة لم تعد مرتبطة بالبحث عن ذهب غارق أو استعادة سفينة حربية تاريخية، وإنما بإمكانية أن تستخدم بريطانيا هذا الملف لتوسيع نطاق المياه التي تطالب بها حول جبل طارق، وهو ما قد تعتبره إسبانيا تحدياً مباشراً لموقفها التاريخي.

ومن هنا تبرز خطورة الخطوة المحتملة، لأن توسيع نطاق المياه البريطانية المعلنة حول جبل طارق قد يمنح لندن مجالاً أوسع لتكريس وجودها البحري في منطقة ترفض مدريد الاعتراف بالسيادة البريطانية عليها. كما يمكن أن يفتح الباب أمام احتكاكات جديدة بين السفن الإسبانية والبريطانية، خصوصاً في منطقة شهدت خلال العقود الماضية العديد من الخلافات المرتبطة بالصيد والملاحة والأنشطة البحرية.

وبينما تنظر سلطات جبل طارق إلى الـ12 ميلاً باعتبارها مطلباً قديماً، ترى إسبانيا في القضية امتداداً لنزاع تاريخي لم تحسمه السنوات ولا الاتفاقيات. فكل ميل بحري إضافي في هذه المنطقة قد يتحول إلى ورقة سياسية وقانونية جديدة في صراع السيادة، خصوصاً أن الموقع الجغرافي لجبل طارق يمنحه أهمية استراتيجية استثنائية عند مدخل البحر الأبيض المتوسط.

المفارقة أن سفينة غرقت قبل أكثر من 3 قرون أصبحت اليوم سبباً في إعادة فتح ملف سيادي شديد الحساسية. فالذهب الذي كان يُعتقد أنه يرقد في قاع البحر لم يعد هو وحده محور الاهتمام، بعدما تحولت المياه المحيطة بجبل طارق نفسها إلى «كنز» سياسي تتصارع حوله المطالب والخرائط والتفسيرات القانونية.

وبذلك، تبدو معركة الـ12 ميلاً أبعد من مجرد نزاع حول مسافة بحرية، لأنها تمس جوهر السؤال الذي ظل معلقاً منذ قرون: أين تنتهي حدود جبل طارق البحرية، ومن يملك الحق في فرض إرادته على المياه المحيطة بالصخرة؟ وإذا قررت لندن هذه المرة الانتقال من التردد إلى الفعل، فقد تجد مدريد نفسها أمام مواجهة جديدة عنوانها البحر، لكن جذورها تمتد عميقاً في تاريخ النزاع حول جبل طارق.

12/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts