في زيارة تحمل أكثر من رسالة سياسية وأمنية، حلت وزيرة الدفاع الإسبانية، مارغريتا روبلز، بمدينة سبتة المحتلة، في ثاني زيارة لها إلى المدينة منذ أزمة الهجرة الجماعية التي شهدتها نهاية الشهر الماضي، والتي وضعت السلطات الإسبانية أمام اختبار أمني وسياسي غير مسبوق.
الزيارة لم تقتصر على تفقد الوضع الميداني أو التعبير عن التضامن مع سكان المدينة، بل رافقتها تصريحات قوية رفعت منسوب التوتر السياسي، خصوصاً عندما أكدت روبلز أن سبتة ومليلية «منطقتان إسبانيتان بامتياز»، وأن أي اعتداء عليهما سيكون، بحسب تعبيرها، «اعتداءً على إسبانيا بأكملها».
وفي كلمة ألقتها بمقر القيادة العامة لسبتة، وجهت الوزيرة رسالة واضحة مفادها أن مدريد لن تتعامل مع ما جرى في 30 يوليوز باعتباره حادثاً عابراً، مؤكدة أن «ما حدث لا يمكن أن يتكرر مرة ثانية»، وأن إسبانيا لن تتخلى عن المدينتين.
وقالت روبلز إن سبتة ومليلية ليستا مجرد مدينتين إسبانيتين، بل تعتبرهما جزءاً لا يتجزأ من إسبانيا، مضيفة أن هذا الأمر، حسب موقفها، يجب أن يكون «واضحاً وجلياً» للجميع.
وتأتي هذه التصريحات في سياق حساس أعقب موجة الهجرة الجماعية التي شهدتها سبتة، والتي دفعت السلطات الإسبانية إلى تعزيز الإجراءات الأمنية والاستنفار على مستوى المدينة، وسط نقاش متواصل بشأن مسؤولية تدبير الحدود والهجرة والعلاقات مع المغرب.
واللافت في خطاب وزيرة الدفاع الإسبانية هو أن رسائلها لم تكن موجهة فقط إلى الرأي العام الإسباني، بل حملت في طياتها لهجة أمنية وسياسية صارمة تجاه ما تعتبره مدريد ضرورة لمنع تكرار سيناريو 30 يوليوز. وهي لهجة قد يقرأها البعض وكأنها تتجاوز مجرد التعبير عن الموقف الإسباني إلى محاولة فرض خطوط حمراء واضحة على الجانب المغربي.
روبلس شددت أيضاً على أن إسبانيا «تفخر كثيراً بهويتها»، معتبرة أن سبتة ومليلية تمثلان نموذجاً لهذه الهوية، قبل أن تعود لتؤكد أن ما وصفته ب “أي اعتداء على المدينتين” هو اعتداء على إسبانيا بأكملها.
وفي خضم ذلك، وجهت الوزيرة إشادة خاصة إلى رئيس بلدية سبتة، خوان فيفاس، مثمنة ما وصفته بالجهود والعمل الذي بذله خلال إدارة الأزمة، كما أشادت بأداء القوات المسلحة الإسبانية، مؤكدة أنها كانت في حالة استعداد منذ اللحظة الأولى للتدخل متى اقتضت الضرورة.
ولم تغفل روبلز الجانب المرتبط بشبكات الهجرة، حيث دعت إلى تطبيق القانون «بكل حزم» على المنظمات الإجرامية والأشخاص الذين يستغلون المهاجرين ويتلاعبون بهم، مؤكدة في الوقت نفسه ضرورة عدم نسيان الأشخاص الذين فقدوا حياتهم خلال هذه المأساة الإنسانية.
وبينما تحاول مدريد تقديم هذه التصريحات باعتبارها تأكيداً على سيادتها وموقفها الأمني تجاه سبتة ومليلية، فإن توقيتها وسياقها يجعلانها تحمل رسائل تتجاوز حدود المدينة المحتلة، خصوصاً في ظل حساسية العلاقات الإسبانية المغربية وملف الهجرة والحدود.
فعبارات من قبيل «لن نتخلى عن سبتة» و**«ما حدث لا يمكن أن يتكرر»** و**«أي اعتداء على المدينتين هو اعتداء على إسبانيا بأكملها»** تعكس بوضوح رغبة مدريد في رفع سقف الردع السياسي والأمني.
ويبقى السؤال المطروح: هل نحن أمام مجرد خطاب إسباني موجه إلى الداخل لطمأنة سكان سبتة ومليلية، أم أن تصريحات وزيرة الدفاع تحمل أيضاً رسالة مباشرة إلى المغرب مفادها أن مدريد وضعت خطوطاً حمراء جديدة في التعامل مع أي أزمة مستقبلية على حدود المدينتين؟
وفي كلتا الحالتين، فإن زيارة روبلز إلى سبتة تأتي لتؤكد أن تداعيات أزمة 30 يوليوز لم تنته بعد، وأن ملف الهجرة والحدود بين المغرب وإسبانيا مرشح لمزيد من التجاذب السياسي والأمني خلال المرحلة المقبلة.
12/08/2026