لم يعد ملف الثروة الحيوانية الوطنية مجرد شأن فلاحي تقني أو قضية موسمية ترتبط بمواسم الأضاحي والأسواق، بل تحوّل إلى واحد من أكثر الملفات حساسية في معادلة الأمن الغذائي والقدرة الشرائية للمغاربة. وفي هذا السياق، وجّه نور الدين مضيان، النائب البرلماني عن دائرة الحسيمة وعضو فريق الوحدة والتعادلية بمجلس النواب، سؤالاً كتابياً إلى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، يطالب فيه بالكشف عن التدابير والإجراءات المتخذة لحماية القطيع الوطني وضمان استدامته، في ظل الضغوط المتراكمة التي يعيشها قطاع تربية المواشي. غير أن خلف السؤال البرلماني توجد قضية أكثر سخونة وإلحاحاً: ماذا يحدث عندما يبدأ القطيع في استهلاك أصوله بدل الحفاظ عليها؟
السؤال لا يتعلق فقط بعدد الخرفان الموجودة في الأسواق اليوم، وإنما بعدد النعاج التي ستبقى قادرة على إنتاج خرفان الغد. فالنعجة المخصصة للتكاثر ليست مجرد رأس من القطيع يمكن تعويضه بسهولة، بل هي أصل إنتاجي حي يساهم في تجديد القطيع واستمراره. وعندما تُذبح نعجة قادرة على الإنجاب، فإن الخسارة لا تتوقف عند وزنها وسعرها في السوق، بل تمتد إلى ولادات مستقبلية كان يمكن أن تنتج عنها، وإلى أجيال من الخرفان كان يمكن أن تشكل رصيداً للقطيع الوطني. وهنا تبدأ الخطورة الحقيقية: قد نغطي حاجة اليوم، لكننا قد نفتح باب خصاص الغد.
ولعل ما يقع في الأسواق الوطنية، والنموذج الحي ما يشهده سوق السبت بوقلال بإقليم تازة كنموذج صارخ، حيث يتم ذبح الخروفة، يختصر هذه المفارقة التي ينبغي أن تستوقف الجميع. فالمشهد قد يبدو عادياً بالنسبة للبعض: خروفة تُذبح، وسوق يتحرك، ومستهلك يبحث عن حاجته، لكن الحساب الحقيقي لا يتم في يوم الذبح، وإنما بعد سنة أو سنتين، عندما تبدأ نتائج استنزاف الإناث في الظهور. فإذا أصبحت النعاج القادرة على التكاثر جزءاً من الاستهلاك، بدل أن تبقى ضمن الرصيد المخصص للتناسل، فإن السؤال لن يكون فقط: أين اختفى القطيع؟ بل سيصبح أكثر إحراجاً: من سيولد لنا الخرفان التي نبحث عنها ؟
هنا تكمن المفارقة التي تكاد تكون ساخرة من شدة مرارتها: نذبح النعجة اليوم، ثم نبحث غداً عن الخروف، ونستغرب بعد ذلك من الخصاص وارتفاع الأسعار. وكأننا نريد من الطبيعة أن تمنحنا خروفاً من دون أن تكون هناك نعجة أنجبته ! إن استمرار هذا المنطق يعني أننا نستهلك المستقبل بأيدينا، ونحوّل الرصيد الذي يفترض أن يجدد نفسه إلى سلعة للاستهلاك الفوري. قد يبدو الأمر حلاً سريعاً في السوق، لكنه في حساب الإنتاج أشبه ببيع آلة الإنتاج من أجل تغطية مصاريف يوم واحد، ثم انتظار استمرار الإنتاج في اليوم التالي.
المشكلة تزداد تعقيداً في ظل سنوات الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف وتراجع الموارد المائية وارتفاع كلفة تربية المواشي. فالمربي الذي يجد نفسه تحت ضغط المصاريف قد يكون مضطراً إلى بيع جزء من قطيعه، لكن بيع الإناث القادرة على التكاثر يختلف تماماً عن بيع رأس موجّه للاستهلاك؛ لأن الأمر هنا يتعلق بضرب القدرة المستقبلية على إعادة بناء القطيع. وإذا تراجع عدد النعاج المنتجة، فإن قدرة المربين على تعويض ما يفقدونه ستتراجع بدورها، وسيصبح خطر الخصاص أكبر، بينما ستزداد عملية إعادة تكوين القطيع صعوبة وتعقيداً.
وهذا ما يجعل السؤال الذي طرحه مضيان يتجاوز حدود الاستفسار الإداري إلى صميم السياسة الفلاحية والأمن الغذائي. فالمطلوب ليس فقط معرفة عدد الرؤوس الموجودة حالياً، بل معرفة ما إذا كان القطيع يمتلك القدرة على تجديد نفسه خلال السنوات المقبلة. كما أن حماية الثروة الحيوانية لا يمكن أن تختزل في تدخلات ظرفية عند اشتداد الأزمة، لأن القطيع يحتاج إلى سياسة طويلة النفس تحمي الإناث المخصصة للتناسل، وتشجع المربين على الاحتفاظ بها، وتوفر لهم ظروفاً اقتصادية تجعل الحفاظ على النعاج المنتجة أكثر جدوى من بيعها.
إن حماية النعاج القادرة على التكاثر ليست ترفاً ولا إجراءً ثانوياً، بل هي دفاع مباشر عن مستقبل اللحوم الحمراء في المغرب. فالمستهلك يريد لحماً بسعر معقول، والمربي يريد هامشاً يسمح له بالاستمرار، والدولة تريد ضمان الأمن الغذائي؛ وهذه الأهداف الثلاثة لن تتحقق إذا جرى استنزاف الحلقة التي تنتج القطيع من أساسه. فاللحم الذي يصل إلى السوق اليوم له ثمن، لكن النعجة التي تنتج خرفان السنوات المقبلة لها قيمة أكبر بكثير من سعرها في السوق، لأنها تمثل استمرار العملية الإنتاجية نفسها.
والخطير أن نتائج الاستنزاف لا تظهر بالضرورة في اللحظة التي يحدث فيها. قد تمر سنة دون أن يشعر أحد بحجم المشكلة، وقد يستمر السوق في توفير حاجاته بشكل طبيعي، لكن بعد عام أو عامين يمكن أن يبدأ الفرق في الظهور، حين يصبح عدد الخرفان أقل، ويصبح العرض أضعف، وتبدأ الأسعار في الارتفاع، ويجد المربي نفسه أمام قطيع يحتاج إلى سنوات حتى يستعيد توازنه. وعندها قد نكتشف متأخرين أن الأزمة لم تبدأ يوم ارتفع سعر اللحم، وإنما بدأت يوم جرى ذبح الإناث التي كان يفترض أن تنتج ذلك اللحم .
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يواجه الحكومة ليس فقط: كيف نضمن تموين السوق اليوم؟ بل: كيف نضمن أن يكون لدينا قطيع قادر على تموين السوق غداً ؟ لأن تحقيق الوفرة الآنية على حساب الرصيد الحيواني قد يمنح انطباعاً مؤقتاً بالاستقرار، لكنه قد يزرع في المقابل أزمة أكثر كلفة في المستقبل. وما يحتاجه المغرب اليوم هو التوازن بين حاجات المستهلك الآنية وضرورة حماية القاعدة الإنتاجية التي تجعل توفير اللحوم ممكناً في المستقبل.
ولا يمكن تحميل المربي وحده مسؤولية هذه المعادلة، خصوصاً عندما تدفعه الظروف المناخية وغلاء الأعلاف وضعف المردودية إلى بيع جزء من قطيعه. فإذا أصبح بيع النعاج المخصصة للتكاثر وسيلة لإنقاذ المربي من ضائقة مالية، فإن المشكلة لم تعد مشكلة فردية، وإنما أصبحت مؤشراً على حاجة السياسة العمومية إلى التدخل. الدولة مطالبة بأن تجعل الاحتفاظ بالإناث المنتجة خياراً اقتصادياً ممكناً ومفيداً للمربي، لا عبئاً إضافياً عليه، لأن حماية القطيع تبدأ من حماية من يربيه ويحافظ عليه.
والأمر لا يتعلق بخروفة واحدة في سوق السبت بوقلال، ولا بحالة منفردة يمكن تجاوزها، وإنما بصورة ينبغي أن تدفع إلى طرح السؤال حول حجم الظاهرة واتجاهاتها وآثارها على مستقبل القطيع. فإذا كان ما يحدث مجرد حالات محدودة، فإن المراقبة والتوعية والدعم يمكن أن تحد من آثارها، أما إذا أصبح ذبح الإناث القادرة على التكاثر ظاهرة متنامية، فإن تجاهلها قد يكون مكلفاً جداً. فالقطيع لا ينهار في يوم واحد، بل يبدأ بالنقصان بصمت، رأساً بعد رأس، حتى تظهر الفجوة عندما يصبح تعويضها أكثر صعوبة.
لقد أظهرت السنوات الأخيرة أن الثروة الحيوانية أصبحت أكثر هشاشة أمام الجفاف وارتفاع كلفة الأعلاف وتراجع الموارد الطبيعية وتقلبات السوق. ولذلك فإن حماية القطيع لم تعد قضية قطاعية تخص الفلاحين وحدهم، بل أصبحت قضية مرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي والقدرة الشرائية للمواطنين. فاللحوم التي يشتريها المواطن من الجزار تبدأ قصتها قبل ذلك بسنوات في الحظيرة، وكل نعجة قادرة على التكاثر يتم الحفاظ عليها اليوم قد تعني عدداً من الخرفان في المستقبل، وكل نعجة تُستنزف بلا حساب قد تعني نقصاً في العرض بعد سنوات.
ولهذا فإن الرسالة التي يحملها سؤال مضيان ينبغي أن تُقرأ بجدية: لا يمكن أن نستهلك أصل الثروة ثم نشتكي من تراجع الإنتاج. ولا يمكن أن نذبح الإناث التي تصنع القطيع ثم نطلب من السوق أن يوفر لنا الخرفان بلا حدود. فالاقتصاد الفلاحي له قوانينه، والطبيعة لا تقبل الحلول السحرية، والخروف لا يأتي من فراغ. هناك نعجة حملت به، ومربٍّ اعتنى بها، وعلف وماء ومراعٍ، ودورة إنتاج كاملة يجب الحفاظ عليها حتى يستمر القطيع.
إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن ننظر إلى النعجة باعتبارها مجرد لحم متاح للبيع، بينما هي في الحقيقة جزء من رأس مال الثروة الحيوانية الوطنية. قد يكون سعرها في السوق مغرياً للمربي في لحظة الحاجة، لكن قيمتها الحقيقية تتجاوز وزنها وسعرها، لأنها تحمل في داخلها إمكانية إنتاج أجيال جديدة من القطيع. ولذلك فإن السياسة الحكيمة لا تنظر فقط إلى ما يمكن بيعه اليوم، وإنما إلى ما يجب الحفاظ عليه حتى يستمر الإنتاج غداً.
إنها ليست قصة خروف ونعجة فقط، وليست قضية سعر اللحم وحده، بل قصة ثروة وطنية يمكن أن تُستهلك بصمت إذا لم تتم حمايتها بعقلية استراتيجية. فمن يذبح أصل الإنتاج بحثاً عن حل سريع، قد يجد نفسه لاحقاً أمام سوق يريد اللحوم ولا يجد من ينتجها بما يكفي. وعندها لن تكون الفاتورة مجرد ارتفاع في الأسعار، بل ستكون فاتورة سنوات من الاستنزاف كان يمكن تفاديها. لا تذبحوا المستقبل لإطعام الحاضر؛ لأن خروف الغد يبدأ من نعجة يجب أن تبقى حية اليوم.
12/08/2026