في ملف لا يحتمل المساومة ولا المناورات الإدارية، وجّه رئيس جمعية مرضى القصور الكلوي بدائرة كتامة شكاية إلى عامل إقليم الحسيمة ضد رئيس جماعة تمساوت، يطالب فيها بالتدخل بشأن ما وصفه بخرق بنود اتفاقية شراكة مرتبطة بتقديم خدمات تصفية الدم لفائدة مرضى القصور الكلوي.
وتضع الوثيقة، التي توصلت بها السلطات الإقليمية، ملفاً إنسانياً بالغ الحساسية أمام المسؤولين، لأن الأمر لا يتعلق بمشروع متعثر أو صفقة تجارية يمكن انتظار تسويتها، وإنما بمرضى يرتبط استمرار حياتهم بحصص منتظمة لتصفية الدم، ما يجعل أي اضطراب في التكفل بهم مسألة تستوجب أقصى درجات المسؤولية.
وبحسب مضمون الشكاية، كانت الجمعية تتوفر على اتفاقية شراكة مبرمة مع جماعة تمساوت بتاريخ 7 فبراير 2024، والمؤشر عليها من طرف عامل إقليم الحسيمة بتاريخ 7 ماي 2024، قبل أن تفاجأ الجمعية، بقرار فسخ الاتفاقية من طرف رئيس جماعة تمساوت، دون إخبارها بالأسباب، ودون سلوك ما تعتبره الجمعية المساطر المنصوص عليها في بنود الاتفاقية.
والأخطر من ذلك أن الجمعية تؤكد أن الأمر يرتبط بشكل مباشر بمرضى القصور الكلوي المنحدرين من جماعة تمساوت، الذين كانوا يستفيدون من خدمات تصفية الدم، وهو ما يضع مصير هذه الفئة الهشة في صلب الخلاف، ويجعل أي قرار إداري مرتبط بالاتفاقية محل مساءلة من زاوية استمرارية العلاج.
وتكشف المعطيات الواردة في الشكاية أن الجمعية كانت قد وجهت طلباً لإبرام اتفاقية شراكة جديدة لفائدة 11 مريضاً مسجلين بجماعة تمساوت، وذلك بموجب مراسلة مؤرخة في 22 أبريل 2026، تم التوصل بها بتاريخ 27 أبريل 2026، وتحمل، حسب الوثيقة، رقم تسجيل 33، في انتظار حسم وضعية التكفل بهم.
لكن المعطى الأكثر دلالة من الناحية الإنسانية هو أن الجمعية تؤكد أنها تتكفل فعلياً بتقديم خدمات تصفية الدم لمرضى القصور الكلوي القادمين من جماعة تمساوت، عبر مركز تصفية الدم بمدينة تارجيست، في وقت تشير فيه المعطيات المتوفرة إلى أن الجمعية تتكفل حالياً بـ9 مرضى من جماعة تمساوت.
وقد يبدو رقم تسعة صغيراً في الحسابات الإدارية، لكنه بالنسبة إلى هؤلاء المرضى يعني تسع حيوات مرتبطة بمواعيد علاج منتظمة، وتسع أسر تعيش تحت ضغط المرض والتنقل والتكاليف والخوف من أي انقطاع في التكفل، ما يجعل التعامل مع الملف بمنطق المراسلات الباردة أمراً لا ينسجم مع خطورة الوضع الإنساني.
وهنا بالضبط تصبح القضية أكبر من مجرد خلاف بين جمعية ورئيس جماعة، لأن المرضى لا ينبغي أن يتحولوا إلى طرف غير مباشر في أي نزاع إداري أو مالي أو مؤسساتي، كما أن أي اختلاف حول تنفيذ الاتفاقية يجب أن يعالج داخل المؤسسات والجهات المختصة، بعيداً عن تحميل المرضى تبعاته.
فإذا كانت هناك اتفاقية شراكة قائمة، فمن حق الرأي العام أن يعرف: لماذا تم فسخها؟ وما الأسباب القانونية والإدارية التي دفعت إلى ذلك؟ وهل تم احترام بنود الاتفاقية قبل اتخاذ قرار الفسخ؟ وهل تم توفير بديل يضمن استمرارية علاج المرضى التسعة المستفيدين من خدمات الجمعية؟
أما إذا كان الخلاف إدارياً أو مالياً أو مرتبطاً بطريقة تنفيذ الاتفاقية، فذلك شأن يمكن مناقشته والتحقيق فيه وتصحيحه عبر المؤسسات والجهات المختصة، لكن ما لا ينبغي أن يتحول إلى ضحية لهذا الخلاف هو علاج مرضى القصور الكلوي، لأن العلاج ليس ملفاً يمكن تجميده إلى حين انتهاء النزاع.
فالمرضى لا علاقة لهم بالخلافات المؤسساتية، ولا يستطيعون تأجيل جلسة تصفية الدم إلى حين انتهاء المراسلات أو تسوية الخلافات أو إيجاد الإدارة لمخرج قانوني، إذ إن انتظام الحصص العلاجية بالنسبة إلى مريض القصور الكلوي ليس ترفاً ولا خياراً، بل ضرورة صحية لا تحتمل التأجيل.
والشكاية الموجهة إلى عامل الإقليم تضع السلطات أمام مسؤولية واضحة: فتح تحقيق في مضمون الوثائق، والاستماع إلى مختلف الأطراف، والتأكد من الوضعية القانونية للاتفاقية، والأهم ضمان عدم المساس باستمرارية علاج المرضى، مع تحديد المسؤوليات وفق ما ستكشف عنه الوثائق والمعطيات الرسمية.
وفي المقابل، يبقى من حق جماعة تمساوت، إذا كانت لديها معطيات أو مبررات قانونية لفسخ الاتفاقية، أن تقدم روايتها كاملة أمام الرأي العام والسلطات المختصة، لأن الشفافية وحدها كفيلة بتحديد المسؤوليات ورفع اللبس، بعيداً عن الاتهامات المتبادلة أو الأحكام المسبقة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: هل يعقل أن يجد تسعة مرضى بالقصور الكلوي أنفسهم في قلب خلاف إداري حول اتفاقية شراكة؟ وهل من المقبول أن يبقى مصير علاجهم مرتبطاً بمآل نزاع بين مؤسسة منتخبة وجمعية يفترض أن يكون هدفها الأول خدمة المرضى والتكفل بهم؟
إن ملفاً بهذه الحساسية لا يحتاج إلى شد الحبل، ولا إلى منطق «من ربح ومن خسر»، بل يحتاج إلى قرار مسؤول يضع حياة المريض أولاً، ويضمن في الوقت نفسه احترام القانون والمساطر والاتفاقيات، حتى لا تتحول الاختلافات الإدارية إلى أزمة إنسانية يدفع ثمنها أشخاص لا ذنب لهم.
ولا يمكن لأي اتفاقية أن تُفسخ وفق القانون، ويمكن لأي شراكة أن تنتهي وفق المساطر، ويمكن لأي طرف أن يدافع عن موقفه أمام الجهات المختصة، لكن لا يجوز أن تكون نتيجة ذلك أن يدفع المريض ثمن الخلاف، لأن تسوية النزاعات الإدارية ممكنة، أما تعويض الوقت الضائع في علاج مريض القصور الكلوي فليس بالأمر البسيط.
إنها قضية تستحق جواباً واضحاً، لا مراسلة أخرى، وتستحق تدخلاً مؤسساتياً عاجلاً، لا انتظاراً جديداً، كما تستحق أن يعرف الرأي العام حقيقة ما جرى بين الأطراف، بعيداً عن كل الحسابات، لأن مريض القصور الكلوي ببساطة لا يملك ترف الانتظار.
12/08/2026