kawalisrif@hotmail.com

مليلية :     إمبرودا يستدعي التاريخ لمهاجمة المغرب … فتخرج «غساسة» من قلب الناظور لتقلب الطاولة: هل يتحول الاحتلال إلى حق بالتقادم ؟

مليلية : إمبرودا يستدعي التاريخ لمهاجمة المغرب … فتخرج «غساسة» من قلب الناظور لتقلب الطاولة: هل يتحول الاحتلال إلى حق بالتقادم ؟

في واحدة من أكثر التصريحات استفزازاً، خرج رئيس حكومة مليلية المحتلة، خوان خوسيه إمبرودا، ليوجّه إلى المغرب سؤالاً بنبرة متعالية: «لماذا تريدون مليلية وسبتة إذا كنتم لا تستطيعون التعامل مع ما لديكم وشبابكم يهربون منكم؟». تصريح لا يبدو مجرد رد سياسي على موقف مغربي، بقدر ما يكشف عن عقلية تتعامل مع قضية السيادة بمنطق المنتصر الذي يريد أن يجعل مرور الزمن بديلاً عن الحقائق التاريخية والجغرافية.

السؤال، في حد ذاته، يكشف أكثر مما يخفي. فالكهل الذي يتحدث من مدينة مغربية محتلة منذ قرون، اختار أن يحاضر المغرب في السيادة والتنمية والهجرة، وكأن التاريخ يبدأ من اللحظة التي يريدها هو، وينتهي عند الأسلاك الشائكة التي تفصل مليلية عن محيطها المغربي. وكأن معاناة الشباب المغاربة أو ظاهرة الهجرة يمكن أن تتحول فجأة إلى صك يسقط حق المغرب في الدفاع عن قضاياه الوطنية.

ذهب إمبرودا أبعد من ذلك حين وصف المطالب المغربية بشأن سبتة ومليلية المحتلتين بأنها تعبير عن «نزعة إمبريالية»، مدعياً أنها لا تستند إلى أساس تاريخي أو إلى القانون الدولي. لكن المفارقة الصارخة أن الرجل نفسه استدعى التاريخ لتبرير الوجود الإسباني في مليلية، قبل أن يحاول، في الحركة ذاتها، فتح ملف موقع مغربي آخر هو مدينة غساسة الأثرية المندثرة، الواقعة في المجال الترابي لإقليم الناظور، بين حدود جماعتي بني شيكر وإعزانن، في محيط شبه جزيرة رأس الشوكات الثلاثة.

وهنا تحديداً ينقلب السحر على الساحر. فإذا كان إمبرودا يريد فتح دفاتر التاريخ، فليفتحها كاملة، لا أن ينتقي منها الصفحات التي تخدم روايته السياسية، ثم يغلق ما تبقى منها عندما تصبح الوقائع غير مريحة. فالتاريخ ليس قائمة انتقائية من التواريخ والأحداث، ولا يمكن أن يتحول إلى متجر سياسي يختار منه كل طرف ما يناسب خطابه.

غساسة (إخساسن)، كما ترد في بعض المراجع، ليست اسماً طارئاً على تاريخ المنطقة، بل موقع أثري ارتبط بتاريخ الريف والساحل المتوسطي والحركة التجارية في المنطقة. ويقع الموقع بمحاذاة المجال البحري لميناء الناظور غرب المتوسط، بمنطقة بطيوة، ذلك المشروع الاستراتيجي الجديد الذي يثير اهتماماً متزايداً في محيط مليلية، في منطقة ظلت عبر قرون نقطة تلاقٍ بين طرق التجارة والبحر والحواضر الساحلية. كما تناولت دراسات تاريخية وأثرية الموقع باعتباره مركزاً تجارياً وميناءً مهماً في المنطقة قبل بروز مليلية المحتلة.

والأكثر إثارة أن إمبرودا، في محاولة للرد على المطالب المغربية، قال إنه «يطالب بغساسة» لأنها كانت تحت السيطرة الإسبانية لمدة أربعين عاماً. وهنا يحق طرح سؤال بسيط: هل مجرد احتلال موقع أو السيطرة عليه لفترة محدودة يمنح صاحبه حقاً أبدياً فيه؟ وهل تتحول السيادة إلى ملكية عقارية بمجرد رفع راية أجنبية فوق أرض لسنوات، ثم يصبح الاحتلال نفسه دليلاً على الحق؟

حسناً، فلنضع هذا المنطق على الطاولة. إذا كانت السيطرة الإسبانية المؤقتة على غساسة تمنح، وفق منطق إمبرودا، حقاً تاريخياً دائماً، فماذا عن الأراضي المغربية التي خضعت للاحتلال الإسباني والفرنسي؟ وهل يعني احتلال أي أرض لفترة من الزمن أن المحتل يصبح صاحب حق دائم فيها؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فلماذا يصبح الأمر مختلفاً عندما يتعلق الأمر بموقع مغربي مثل غساسة؟

بل إن المصادر التاريخية التي يستند إليها النقاش حول غساسة تشير إلى أن القوات الإسبانية سيطرت على الموقع في بداية القرن السادس عشر، قبل أن تفقد السيطرة عليه لاحقاً. أي أننا أمام واقعة تاريخية محددة زمنياً، لا أمام «سند ملكية» أبدي يمكن إخراجه من الأرشيف كلما احتاج سياسي إسباني إلى ورقة جديدة في سجال سياسي مع المغرب.

أما المفارقة الأكبر، فهي أن إمبرودا يريد أن يجعل من مليلية نموذجاً لـ«الشرعية التاريخية» لأنها، حسب روايته، ارتبطت بتاج قشتالة منذ سنة 1497، لكنه يتجاهل أن مليلية تقع جغرافياً في شمال المغرب، وأن وضعها الحالي جزء من واقع سياسي وتاريخي محل خلاف بين المغرب وإسبانيا. فمرور القرون لا يلغي بالضرورة النزاعات التاريخية، ولا يحوّل تلقائياً السيطرة التاريخية إلى حقيقة غير قابلة للنقاش.

والأغرب من ذلك أن الرجل يستعمل هجرة الشباب المغاربة حجة ضد المغرب، متناسياً أن مليلية المحتلة نفسها تعيش منذ عقود على إيقاع ارتباط وثيق بمحيطها المغربي؛ حدود وحركة تجارية وعمال وتنقلات وتعاون أمني وتدفقات بشرية، فضلاً عن واقع اقتصادي واجتماعي لا يمكن فهمه بصورة كاملة بمعزل عن الجغرافيا المغربية المحيطة بالمدينة.

فهل وجود مليلية داخل المجال الجغرافي المغربي يجعلها أقل ارتباطاً بهذا المجال لأن إمبرودا يرفض الاعتراف بذلك؟ وهل يمكن لخطاب سياسي أن يمحو الجغرافيا، أو أن يجعل الحدود والأسلاك أكثر قوة من حقائق التاريخ والموقع والمجال؟

ثم هناك سؤال آخر أكثر إزعاجاً: إذا كان المغرب، كما يقول إمبرودا، لا يستطيع «تدبير ما لديه»، فلماذا يبدو الرجل منشغلاً إلى هذا الحد بما يطالب به المغرب؟ ولماذا تتحول قضايا الشباب والهجرة والتنمية في المغرب إلى مادة للمزايدة السياسية، بينما يتحول مجرد الحديث عن موقع مغربي مثل غساسة إلى «مطالبة تاريخية» إسبانية؟

المغرب لم يحتج إلى احتلال أراضٍ إسبانية كي يثبت وجوده في المنطقة. أما إسبانيا، فتاريخها في شمال المغرب لا يمكن اختزاله في رواية وردية عن «الانتماء التاريخي»، لأن صفحات الاحتلال والحروب والمقاومة المغربية جزء لا يمكن محوه من الذاكرة الجماعية. ومن يريد استدعاء التاريخ للدفاع عن موقفه السياسي، عليه أن يكون مستعداً لاستحضار صفحاته كاملة، لا أن يختار منها ما يناسبه فقط.

والأكثر إثارة للسخرية أن إمبرودا، وهو يتحدث عن «الإمبريالية» المغربية، يستحضر في الوقت نفسه موقعاً مغربياً بإقليم الناظور مثل غساسة ليقول إنه «يطالب به». فهل المطالبة المغربية بمدنها المحتلة تُصنّف باعتبارها «إمبريالية»، بينما المطالبة الإسبانية بموقع داخل باقي التراب المغربي تصبح فجأة دفاعاً عن التاريخ؟ وهل يصبح التاريخ مشروعاً فقط عندما يخدم الرواية الإسبانية؟

هذه ليست قراءة متوازنة للتاريخ، بل انتقائية تاريخية واضحة. فالمشكلة ليست في استحضار التاريخ، وإنما في استخدامه بصورة انتقائية، بحيث يصبح ما يخدم الموقف الإسباني «حقيقة تاريخية»، بينما تتحول المطالب المغربية إلى «نزعة إمبريالية» لمجرد أنها لا تتوافق مع الرواية التي يريد إمبرودا فرضها.

والأخطر أن هذا الخطاب يحاول تحويل قضية سياسية وتاريخية وقانونية معقدة إلى مباراة في الاستفزاز: المغرب لديه مشاكل، إذن لا يحق له المطالبة بسبتة ومليلية؛ الشباب يهاجرون، إذن عليهم أن يتخلوا عن قضايا السيادة؛ وإسبانيا سيطرت على مليلية قبل قرون، إذن انتهى النقاش وأصبح التاريخ ملكاً لطرف واحد.

وبهذا المنطق، يمكن لأي قوة احتلال أن تقول للشعوب: «لأنكم تعانون من البطالة والهجرة والفقر، فقد سقط حقكم في المطالبة بأراضيكم». وهي مغالطة لا تصمد أمام أبسط قواعد التاريخ، لأن قوة الدولة الاقتصادية أو مشاكلها الاجتماعية لا تحدد وحدها حقوقها التاريخية، ولا تمنح الآخرين صكاً أبدياً للاحتفاظ بأراضٍ متنازع عليها.

والأكثر فجاجة أن حاكم مليلية المحتلة يتحدث عن «هروب الشباب المغاربة» وكأن الهجرة ظاهرة مغربية خالصة، بينما هي ظاهرة عالمية لها أسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية وجيوسياسية متشابكة. ولا يمكن، بأي منطق جدي، استخدام هجرة الشباب لإسقاط حق دولة في الدفاع عن تصورها لسيادتها أو وحدتها الترابية.

أما غساسة، المتاخمة للمجال الذي يشهد التحولات الكبرى المرتبطة بميناء الناظور غرب المتوسط، فهي ربما تكون أفضل جواب عملي على خطاب إمبرودا. فهذا الموقع الأثري المغربي لا يحتاج إلى خطب سياسية من مليلية حتى يثبت وجوده؛ تاريخه وموقعه وآثاره وصلته بالريف والبحر المتوسط كلها شواهد قائمة على الأرض المغربية، وتستحق، قبل أي سجال سياسي، الحماية والترميم والتثمين وإعادة إدراجها في الذاكرة الثقافية والسياحية للمنطقة.

وهنا تكمن المفارقة الحقيقية: بدلاً من أن ينشغل إمبرودا بكيفية الحفاظ على مليلية وتحسين ظروف سكانها ومعالجة أزماتها الاجتماعية والاقتصادية، قرر أن يمنح نفسه دور مؤرخ حدود، وأن يوزع شهادات الشرعية على المغرب، بل وأن يفتح شهية المطالبات إلى مواقع مغربية تقع خارج مليلية نفسها.

لكن التاريخ لا يُكتب بهذه الطريقة. ولا يمكن تحويل الاحتلال إلى ملكية بالتقادم، كما لا يمكن اختزال تاريخ شمال المغرب في سنة واحدة أو معركة واحدة أو حملة عسكرية واحدة. فالتاريخ فضاء متراكم من الشعوب والحضارات والسلطات والتحولات، وليس ورقة انتخابية يستخدمها سياسي حين يريد تسجيل نقطة في مواجهة جاره.

مليلية ليست جزيرة عائمة في الفراغ، وغساسة ليست صفحة يمكن اقتطاعها من كتاب الريف المغربي ثم تقديمها كـ«ورقة ملكية» إسبانية. ومن يريد أن يجعل من التاريخ أساساً للمطالبة، عليه أن يقبل أولاً بأن التاريخ نفسه قد يفتح أبواباً وأسئلة لا تخدم الرواية التي يريد تسويقها.

وإذا كان رئيس حكومة مليلية يريد فعلاً فتح كتاب التاريخ، فعليه أن يتذكر أن التاريخ لا يحتوي فقط على سنة 1497، ولا يتوقف عند سنة 1506، ولا يختار منه السياسي ما يناسب خطابه ثم يطالب الآخرين بإغلاق الكتاب. فالماضي ليس ملكاً حصرياً لمن يملك القوة العسكرية أو يسيطر على الأرض في لحظة تاريخية معينة.

ومن يريد أن يطالب بغساسة المغربية، عليه أولاً أن يجيب عن السؤال الذي يتهرب منه: لماذا تُعتبر المطالبة المغربية بسبتة ومليلية «إمبريالية»، بينما تتحول المطالبة الإسبانية بموقع داخل باقي التراب المغربي إلى «حق تاريخي»؟ ولماذا يصبح الاحتلال الإسباني دليلاً على الشرعية، بينما تصبح المطالبة المغربية بالسيادة استفزازاً؟

ذلك هو السؤال الذي كان ينبغي أن يُطرح على إمبرودا، قبل أن يبدأ في توزيع دروس التاريخ والجغرافيا على المغرب.

أما سؤال «لماذا تريدون سبتة ومليلية؟»، فجوابه في نظر المغاربة أبسط بكثير من كل هذه المناورات: لأن القضايا الوطنية لا تسقط بالتقادم، ولأن الجغرافيا لا يمكن تغييرها بالتصريحات الصحفية، ولأن التاريخ لا يتحول إلى ملكية خاصة بمجرد أن يرفع المحتل رايته فوق أرض لمرحلة من الزمن.

وغساسة، الواقعة في قلب الريف المغربي، تظل شاهداً صامتاً على أن التاريخ الذي يحاول البعض استخدامه كسلاح سياسي يمكن أن يتحول، في لحظة، إلى شاهد ضد صاحبه؛ فحين تُفتح دفاتر الماضي، لا يمكن لأحد أن يختار الصفحة التي يريد وحدها، ثم يطالب الآخرين بالصمت أمام بقية الكتاب.

12/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts