في خضم الأزمة المتصاعدة حول سبتة المحتلة، فتح الحزب الشعبي الإسباني جبهة سياسية جديدة ضد حكومة بيدرو سانشيز، مطالباً باستدعاء سفيرة المغرب لدى مدريد للتشاور، على خلفية التطورات المرتبطة بأزمة الهجرة والتصريحات المغربية بشأن سبتة ومليلية.
وجاء التصعيد على لسان النائب وعضو قيادة الحزب الشعبي خايمي دي لوس سانتوس، الذي تساءل خلال زيارة إلى برشلونة عن أسباب عدم استدعاء السفيرة المغربية، قائلاً إن حزبه يريد معرفة «لماذا لم يتم استدعاؤها» عقب ما وصفه بـ«الغزو»، وكذلك بعد تصريحات وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي بشأن استمرار المغرب في المطالبة بأراضيه.
ويحاول الحزب الشعبي تحويل الأزمة إلى ورقة ضغط سياسية على حكومة سانشيز، مستغلاً تصريحات وهبي التي قال فيها إن المغرب يطرح قضية سبتة ومليلية في كل اجتماع مع إسبانيا، وإن الرباط «ما زالت تطالب بأراضيها». وقد أثارت هذه التصريحات غضباً في الأوساط السياسية الإسبانية، وأعادت ملف المدينتين المحتلتين إلى واجهة النقاش الداخلي في إسبانيا.
ولم يكتفِ الحزب الشعبي بالمطالبة باستدعاء السفيرة المغربية، بل قارن بين تعامل الحكومة الإسبانية مع المغرب وإيطاليا، منتقداً استدعاء السفير الإيطالي في إحدى الأزمات المرتبطة بتعليق فضاء شنغن، مقابل عدم اتخاذ الإجراء نفسه تجاه الرباط، معتبراً أن موقف الحكومة تجاه المغرب يعكس، وفق روايته، ضعفاً في السياسة الخارجية الإسبانية.
وفي لهجة أكثر حدة، حمّل دي لوس سانتوس رئيس الحكومة بيدرو سانشيز مسؤولية ما وصفه بتراجع وزن إسبانيا داخل أوروبا، قائلاً إن إسبانيا «لم يعد لها تأثير في أوروبا» بسبب سانشيز، في محاولة واضحة لربط أزمة سبتة بالخلاف السياسي الداخلي بين الحزب الشعبي والحكومة الاشتراكية.
وبالتوازي مع ذلك، صعّد الحزب الشعبي ضغطه على وزير الرئاسة والعدل فيليكس بولانيوس، بعدما تقدم في مجلس النواب الإسباني بسلسلة من الأسئلة التي يطالب بالإجابة عنها بشكل عاجل، خصوصاً بشأن الاتصالات التي جرت مع نظيره المغربي عبد اللطيف وهبي عقب الأحداث التي شهدتها سبتة قبل نحو أسبوعين.
ويريد الحزب الشعبي معرفة طبيعة الاتصالات التي أجرتها الحكومة الإسبانية مع الرباط، وما إذا كانت مدريد قد اتخذت إجراءات سياسية أو دبلوماسية رداً على التصريحات المغربية بشأن سبتة ومليلية المحتلتين، خصوصاً في ظل حديث وهبي عن إمكانية تعليق اتفاقية تسليم المجرمين بين المغرب وإسبانيا.
ويرى الحزب الإسباني أن أي تعليق محتمل لهذه الاتفاقية ستكون له انعكاسات مباشرة على ملف الهجرة، خصوصاً فيما يتعلق بإعادة الأشخاص الذين تمكنوا من تجاوز السياج الحدودي والوصول إلى جيب سبتة المحتلة، وهو ما دفع قياديي الحزب إلى رفع سقف التحذيرات والاتهامات في مواجهة الحكومة.
كما استغل الحزب الشعبي زيارة وزيرة الدفاع الإسبانية مارغاريتا روبليس إلى سبتة، منتقداً بشدة ما اعتبره غياب موقف حكومي موحد للدفاع عن الموقف الإسباني تجاه المدينة المحتلة ومليلية، قائلاً إنه «من غير المقبول» أن تكون وزيرة واحدة فقط هي التي تتحدث علناً عن «إسبانية» المدينتين.
ويطالب الحزب الشعبي، وفق ما نقلته صحيفة إل موندو، بأن تتحرك الحكومة الإسبانية بأكملها للدفاع عن موقفها، وأن تتعامل مع الأزمة باعتبارها قضية سيادة وأمن قومي، فيما يبدو أن المعارضة الإسبانية تسعى إلى تحويل ملف سبتة إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في المواجهة مع حكومة سانشيز.
وبينما تحاول مدريد احتواء تداعيات الأزمة، تكشف هذه التصريحات عن عودة قوية لملف سبتة ومليلية المحتلتين إلى قلب السجال السياسي الإسباني، وسط محاولة من اليمين الإسباني استثمار الأزمة للهجوم على الحكومة، في وقت تواصل فيه الرباط التمسك بموقفها الثابت من المدينتين باعتبارهما جزءاً من التراب الوطني المغربي.
ومن الواضح أن سبتة المحتلة ستظل جرحاً مفتوحاً في خاصرة السياسة الإسبانية، كلما حاولت بعض القوى في مدريد تحويلها إلى ورقة للمزايدات السياسية والتصعيد ضد المغرب. فالرباط لا تحتاج إلى رفع الصوت، لأن موقفها من سبتة ومليلية المحتلتين واضح وثابت، ولا يمكن لخطابات اليمين الإسباني ولا لحسابات حكومة سانشيز أن تغيّر حقيقة أن المدينتين تظلان جزءاً من ملف تصفية الاستعمار الذي لم يُغلق بعد.
وبينما تتسابق الأحزاب الإسبانية على توزيع الاتهامات واستعراض العضلات السياسية، يبقى السؤال الحقيقي مطروحاً في مدريد: إلى متى ستواصل إسبانيا التعامل مع سبتة ومليلية بمنطق الأمر الواقع، بينما يواصل المغرب التمسك بموقفه التاريخي والوطني دون تراجع؟ فالأزمة قد تهدأ، لكن ملف المدينتين لن يختفي، وكلما حاولت مدريد دفنه تحت ركام التصريحات والمزايدات، سيعود إلى الواجهة من جديد، وبصوت أعلى.
13/08/2026