في تطور جديد يعكس تصاعد الهواجس الأمنية الإسبانية بشأن سبتة ومليلية المحتلتين، اقترح خبراء تابعون لـ«مرصد سبتة ومليلية» اعتماد تقنية متطورة لتحويل الكابلات البحرية للألياف البصرية إلى شبكة استشعار قادرة على رصد التحركات في أعماق البحر، في خطوة قد تفتح جبهة جديدة للمراقبة الأمنية في منطقة مضيق جبل طارق.
ووفق ما أورده موقع إسباني، فإن المرصد اقترح في تقرير صدر خلال فبراير الماضي اعتماد تقنية الاستشعار الصوتي الموزع (DAS) داخل الكابلات البحرية التي تربط شبه الجزيرة الإيبيرية بسبتة المحتلة، بهدف تعزيز مراقبة الحدود البحرية وحماية البنية التحتية الحيوية من عمليات التخريب والتحركات غير المصرح بها.
وتعتمد تقنية DAS على إرسال نبضات ليزر عبر الألياف البصرية، ثم قياس التغيرات التي تطرأ على الضوء نتيجة الاهتزازات والاضطرابات الصوتية في قاع البحر. وبهذه الطريقة، يمكن للكابل البحري أن يتحول إلى شبكة متواصلة من أجهزة الاستشعار القادرة على تسجيل المعطيات في الوقت الفعلي.
وحسب المعطيات الواردة في التقرير، يمكن لهذه التقنية رصد إشارات مرتبطة بحركة السفن والقوارب والغواصات والغواصين، إضافة إلى بعض المعدات الميكانيكية التي تعمل بالقرب من مسار الكابل. كما يمكن للنظام إطلاق إنذارات مبكرة عند رصد مؤشرات مرتبطة بمحاولات تخريب أو قطع الكابلات أو عمليات توغل وتحركات بحرية غير مصرح بها.
ويأتي هذا المقترح في ظل اعتماد سبتة المحتلة بشكل كبير على شبكات الاتصال البحرية التي تربطها بشبه الجزيرة الإيبيرية. ويشير التقرير إلى وجود كابلات للألياف البصرية من بينها LINCE وCES، ضمن شبكة اتصالات تضم أربعة كابلات، ما يجعل هذه المنشآت جزءاً أساسياً من البنية التحتية الحيوية للمدينة المحتلة.
ويحذر التقرير من أن هذه الكابلات قد تكون عرضة لما تصفه الأدبيات الأمنية الإسبانية بـ«الحرب الهجينة» أو أعمال التخريب في منطقة مضيق جبل طارق، وهو ما يدفع إلى التفكير في تقنيات قادرة ليس فقط على حماية الكابلات، وإنما أيضاً على مراقبة محيطها ورصد أي نشاط غير عادي بالقرب منها.
ويعتبر التقرير أن مضيق جبل طارق يوفر ظروفاً جغرافية مناسبة لاعتماد مثل هذه الأنظمة، باعتباره واحداً من أهم الممرات الاستراتيجية للملاحة العالمية، وبسبب قرب المسافة بين ضفتيه. ففي أضيق نقطة، لا تتجاوز المسافة بين الساحل الإسباني والساحل المغربي نحو 14 كيلومتراً، بينما تبلغ المسافة بين الجزيرة الخضراء وسبتة المحتلة حوالي 28 كيلومتراً.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية إضافية بالنسبة للمغرب، بالنظر إلى أن المقترح يتعلق بمنطقة بحرية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها حركة الملاحة الدولية مع الحسابات الأمنية المرتبطة بسبتة ومليلية المحتلتين، في وقت تتجه فيه إسبانيا إلى تعزيز وسائل المراقبة البرية والبحرية والجوية حول المدينتين.
غير أن المشروع المقترح يواجه، وفق التقرير نفسه، قيوداً تقنية تحول دون تحويل الكابلات التجارية المستخدمة حالياً إلى أجهزة استشعار بسهولة. فمعظم تطبيقات DAS تم اختبارها على ما يعرف بـ«الألياف المظلمة»، أي الألياف غير المستعملة تجارياً، لتجنب التداخل بين نبضات الاستشعار وحركة البيانات الرقمية الكثيفة داخل الكابلات العاملة.
ولهذا السبب، فإن اعتماد هذه التقنية لأغراض أمنية قد يتطلب، في حال قررت السلطات الإسبانية المضي فيها، إنشاء كابل بحري مخصص للاستشعار وغير موجه للاستعمال التجاري، مع إمكانية وضعه تحت إدارة القوات المسلحة الإسبانية، وهو ما يمنح المشروع بعداً أمنياً واستراتيجياً يتجاوز مجرد حماية شبكات الاتصالات.
وبذلك، يبدو أن سباق المراقبة حول سبتة ومليلية المحتلتين لم يعد يقتصر على الأسوار والكاميرات والطائرات والمسيرات، بل بدأ يمتد إلى أعماق البحر نفسها. فالكابل الذي كان مخصصاً لنقل البيانات قد يتحول إلى «أذن» إلكترونية تراقب ما يتحرك في محيطه، في منطقة لا تفصل بين ضفتيها سوى كيلومترات قليلة، لكنها تحمل حسابات جيوسياسية وأمنية أكبر بكثير من حدود المسافة.
13/08/2026