kawalisrif@hotmail.com

زلزال بين الرباط ومدريد :    ملفات ثقيلة تهزّ التعاون القضائي وتفتح أسئلة السيادة والهجرة ووزير الداخلية يرد على وزير العدل

زلزال بين الرباط ومدريد : ملفات ثقيلة تهزّ التعاون القضائي وتفتح أسئلة السيادة والهجرة ووزير الداخلية يرد على وزير العدل

يبدو أن العلاقات المغربية الإسبانية دخلت من جديد منطقة شديدة الحساسية، بعدما وضع وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي عدداً من الملفات الثقيلة فوق طاولة الحوار مع مدريد، في وقت سارعت فيه الحكومة الإسبانية إلى احتواء الرسائل المغربية، والقول إن الأمور لا تتجه نحو أزمة في التعاون القضائي بين البلدين.

القصة بدأت من ملف قد يبدو تقنياً في ظاهره، لكنه يحمل أبعاداً سياسية وأمنية كبيرة: اتفاقية تسليم المطلوبين.

وهبي لم يكتفِ بالإشارة إلى وجود صعوبات في تنفيذ بعض طلبات التسليم، بل تحدث عن حالات قال إنها أصبحت تطرح علامات استفهام حقيقية حول جدية التعامل الإسباني مع الطلبات المغربية. فبحسب ما كشفه الوزير، هناك ملفات يتم فيها تحديد هوية الشخص المطلوب، واستكمال الإجراءات، بل والوصول إلى مرحلة تحديد موعد تسليمه، ثم يحدث ما لم يكن متوقعاً في اللحظة الأخيرة.

الأكثر إثارة أن وهبي تحدث عن حالات أرسلت فيها السلطات المغربية عناصر أمنية إلى إسبانيا لاستلام أشخاص مطلوبين للعدالة المغربية، قبل أن تفاجأ بأن الشخص المعني أُطلق سراحه أو لم يحضر في الموعد المحدد.

وهنا لم يعد الأمر، وفق منطق الوزير المغربي، مجرد تأخر إداري أو اختلاف في الإجراءات القانونية، وإنما أصبح سؤالاً مباشراً حول مصير طلبات التسليم عندما تصل إلى المرحلة الحاسمة.

ولهذا كشف وهبي عن وجود نقاش حول إمكانية تعليق اتفاقية تسليم المطلوبين مع إسبانيا، بسبب ما وصفه باختلالات متكررة يصعب فهمها.

الرسالة المغربية كانت ثقيلة، لكن مدريد التقطتها بسرعة.

وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا اختار أن يرد من سبتة، وهي ليست صدفة بسيطة في توقيت حساس كهذا، مؤكداً أنه لا يرى أي مؤشر على أن المغرب يفكر في تعليق الاتفاقية.

بل ذهب أبعد من ذلك، عندما وصف التعاون المغربي الإسباني في مجال تسليم المطلوبين والتنسيق القضائي بأنه تعاون “استثنائي”، محاولاً بذلك نزع فتيل التصعيد، وإظهار أن الخلافات التي تحدث عنها وهبي لا تعني انهيار التعاون الأمني والقضائي بين البلدين.

مارلاسكا استند أيضاً إلى تجربته السابقة في القضاء، موضحاً أنه عندما كان قاضياً بالغرفة الجنائية سبق له التعامل مع ملفات التعاون الدولي وتسليم المطلوبين، وبالتالي فهو يعرف، بحسب تصريحه، طبيعة ومستوى التعاون القائم مع المغرب.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا كان التعاون “استثنائياً” كما يقول مارلاسكا، فلماذا تحدث وهبي عن ملفات تصل إلى مرحلة تحديد موعد التسليم، ثم تتعطل في آخر لحظة؟ ولماذا تضطر عناصر أمنية مغربية، بحسب رواية الوزير، إلى السفر إلى إسبانيا لاستلام مطلوبين قبل أن تجد نفسها أمام واقع مختلف؟

هنا بالضبط يكمن جوهر الخلاف.

مارلاسكا يريد أن يقول إن الصورة العامة للعلاقات القضائية بين البلدين جيدة، وإن حالات التعثر لا ينبغي أن تتحول إلى أزمة سياسية.

أما وهبي فيبدو أنه يريد أن يقول إن نجاح التعاون في بعض الملفات لا يلغي وجود اختلالات في ملفات أخرى، وأن الرباط لن تبقى متفرجة إذا استمرت هذه الوضعية.

لكن المفاجأة أن وهبي لم يضع ملف التسليم وحده على الطاولة.

في الوقت نفسه تقريباً، أعاد وزير العدل المغربي إلى الواجهة قضية أكثر حساسية بالنسبة لإسبانيا: سبتة ومليلية.

وهبي قال، في تصريحات لقناة “الشرق نيوز”، إن المغرب يطرح قضية المدينتين في كل اجتماع مع المسؤولين الإسبان، وإن الرسالة المغربية واضحة: “هذه أراضينا ونحن متمسكون بها”، مضيفاً أن الرباط تتعامل مع هذا الملف بسياسة تقوم على الصبر وعلى المدى الطويل، وأن الحل يجب أن يتم عبر الحوار.

وهنا تصبح الصورة أكثر تعقيداً.

ففي الوقت الذي كانت فيه مدريد تحاول إبقاء العلاقات مع الرباط في إطار التعاون الأمني والهجرة ومحاربة الهجرة غير النظامية، جاء وهبي ليعيد إلى الواجهة الملف الذي تعتبره إسبانيا من أكثر الملفات حساسية: مستقبل سبتة ومليلية.

والتوقيت أكثر حساسية من التصريح نفسه، لأن الكلام جاء في أعقاب الأزمة الكبيرة التي شهدتها سبتة يومي 30 و31 يوليوز، عندما شهدت المدينة تدفقاً غير مسبوق للمهاجرين.

صحيفة “أ بي سي” الإسبانية تعاملت مع تصريحات وهبي باعتبارها عودة واضحة للبعد الترابي إلى العلاقات المغربية الإسبانية، واعتبرت أن الوزير المغربي أصبح أحد أبرز حاملي رسائل الرباط السياسية والقانونية تجاه مدريد.

وهنا تبرز مفارقة لافتة: في الوقت الذي كانت فيه مدريد تشيد بالتعاون المغربي في احتواء أزمة سبتة وإعادة عدد كبير من الأشخاص الذين دخلوا المدينة، عاد المغرب ليضع أمامها ملف السيادة على المدينتين، وكأنه يبعث برسالة مفادها أن التعاون في ملف الهجرة والأمن لا يعني أن الرباط تخلت عن مطالبها السياسية والترابية.

بل إن ملف القاصرين زاد المشهد تعقيداً.

المغرب عاد إلى المطالبة بإعادة أكثر من أربعة آلاف قاصر مغربي غير مصحوبين موجودين في إسبانيا، بينهم نحو 1,400 وصلوا خلال أحداث نهاية يوليوز، فيما أكد وهبي أن المغرب سيطالب بإعادة أبنائه “قانونياً وسياسياً”، محملاً السلطات الإسبانية مسؤولية وجود عراقيل قضائية وإدارية أمام عمليات الإعادة.

وهنا أيضاً توجد روايتان.

الرباط تقول إن أبناءها يجب أن يعودوا، وإن هناك عراقيل إسبانية تعطل العملية.

أما في الجانب الإسباني، فهناك حديث عن قيود قانونية وحقوقية وإجراءات تجعل عمليات الإعادة أكثر تعقيداً، فضلاً عن اتهامات متبادلة حول مستوى التعاون في هذا الملف.

صحيفة “أ بي سي” استحضرت في هذا السياق تقريراً سنوياً للنيابة العامة الإسبانية يشير إلى تعذر إعادة شبان وأطفال مغاربة خلال سنة 2024، بسبب عدم ورود رد من السلطات المغربية في بعض الحالات.

وهكذا، يجد سانشيز نفسه أمام معادلة صعبة: المغرب شريك أساسي في ضبط الحدود والهجرة، لكنه في الوقت نفسه يرفع سقف مطالبه في ملفات أخرى، من القاصرين إلى سبتة ومليلية، ومن التعاون القضائي إلى تسليم المطلوبين.

والأكثر إثارة أن “أ بي سي” تحدثت أيضاً عن اختلاف في الخطاب داخل الحكومة الإسبانية نفسها، بين وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس ووزير الداخلية فرناندو غراندي مارلاسكا في التعامل مع رسائل الرباط.

مارلاسكا اختار التهدئة، ونفى وجود مؤشرات على تعليق اتفاقية التسليم، وأكد قوة التعاون.

أما تصريحات روبليس، وفق قراءة الصحيفة، فتأتي في سياق مختلف وأكثر تشدداً تجاه الملفات الأمنية والدفاعية المرتبطة بالمغرب.

وهنا تطرح التطورات سؤالاً كبيراً: هل تحاول مدريد فعلاً منع الخلافات المتعددة من التحول إلى أزمة شاملة، أم أن الرباط بدأت تستخدم الملفات التي تملك فيها أوراق ضغط متعددة في وقت واحد؟

فالمعادلة لم تعد فقط: المغرب يريد تسليم مطلوبين.

المعادلة أصبحت: المغرب يريد تعاوناً قضائياً فعالاً، ويريد إعادة القاصرين، ويتمسك بموقفه من سبتة ومليلية، وفي الوقت نفسه يظل شريكاً أساسياً لإسبانيا في ملف الهجرة والأمن.

أما مدريد، فتريد الحفاظ على التعاون مع الرباط، لكنها في المقابل تجد نفسها مطالبة بالرد على أسئلة محرجة: ماذا يحدث عندما يصل ملف تسليم مطلوب إلى مرحلته النهائية ثم يتعطل؟ ماذا ستفعل في ملف آلاف القاصرين؟ وكيف ستتعامل مع إصرار المغرب على طرح قضية السيادة على سبتة ومليلية في كل اجتماع؟

وهنا يبدو أن رد مارلاسكا لم يكن مجرد نفي لخبر تعليق الاتفاقية، بل محاولة واضحة لمنع انتقال الخلاف من الملفات التقنية إلى مواجهة سياسية مفتوحة.

فالوزير الإسباني يقول عملياً: لا توجد أزمة في التعاون القضائي.

بينما وهبي يقول، من خلال الملفات التي طرحها، إن هناك ما يستدعي المراجعة والضغط وإعادة ترتيب قواعد التعاون.

وبين الموقفين، تبرز حقيقة واحدة: العلاقات المغربية الإسبانية قوية، لكنها ليست خالية من الملفات المتفجرة.

والأخطر بالنسبة لمدريد أن هذه الملفات لم تعد منفصلة عن بعضها.

التسليم القضائي مرتبط بالأمن، والأمن مرتبط بالهجرة، والهجرة مرتبطة بسبتة ومليلية، وسبتة ومليلية مرتبطة مباشرة بالسيادة، وملف القاصرين أصبح بدوره جزءاً من هذه المعادلة.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل سيعلق المغرب اتفاقية تسليم المطلوبين؟

السؤال الأكثر جرأة هو: هل تستخدم الرباط هذه الملفات مجتمعة لإعادة تعريف قواعد العلاقة مع مدريد، بحيث لا يبقى التعاون الأمني والهجرة ورقة إسبانية فقط، بل يتحول إلى تعاون متبادل له ثمن سياسي وقضائي واضح؟

مارلاسكا قال: لا أرى أي مؤشر على تعليق الاتفاقية.

وهبي قال: هناك اختلالات، وهناك نقاش حول مستقبلها.

وبين الجملتين، يبدو أن الرسالة الأهم لم تُقل بشكل مباشر: مدريد تريد استمرار الشراكة كما هي، بينما الرباط تريد أن تعرف إلى أي حد تستطيع هذه الشراكة أن تخدم مصالحها أيضاً.

13/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts