kawalisrif@hotmail.com

إسبانيا تعتقل معارضاً جزائرياً بالتزامن مع زيارة سانشيز للجزائر.. اعتقال يفتح باب التساؤلات حول «صفقة» مع نظام تبون

إسبانيا تعتقل معارضاً جزائرياً بالتزامن مع زيارة سانشيز للجزائر.. اعتقال يفتح باب التساؤلات حول «صفقة» مع نظام تبون

في توقيت يثير الكثير من علامات الاستفهام، وجد معارض جزائري بارز نفسه خلف القضبان في إسبانيا، بعدما اعتُقل في مطار برشلونة، في واقعة تتزامن بشكل لافت مع زيارة رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى الجزائر، وتعيد إلى الواجهة أسئلة حساسة حول حدود التعاون الأمني والقضائي بين مدريد والجزائر، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بملفات تحمل أبعاداً سياسية وحقوقية.

ويتعلق الأمر برجل الأعمال الجزائري أيوب عيسيو، مالك قناة «الجزائرية وان»، التي كانت من أبرز المنابر الإعلامية المنتقدة للسلطة في الجزائر، قبل أن تغلقها السلطات سنة 2019، وهو العام الذي غادر فيه عيسيو بلاده وانتقل للإقامة في فرنسا، حيث تقدم أيضاً بطلب للجوء السياسي.

وبحسب صحيفة إسبانية، فقد وصل عيسيو في 25 يوليوز الماضي إلى مطار «إل برات» في برشلونة، قبل أن يتم توقيفه مباشرة، بناءً على مذكرة تسليم كانت السلطات الجزائرية قد تقدمت بها. والمفارقة اللافتة أن الاعتقال جاء بالتزامن تقريباً مع زيارة سانشيز إلى الجزائر، في وقت كانت فيه مدريد تسعى إلى إعادة ترتيب علاقاتها مع الجار المغاربي بعد سنوات من التوتر والأزمة الدبلوماسية.

القضية لا تبدو، وفق المعطيات المنشورة، مجرد ملف قضائي عادي. فالسلطات الجزائرية تطالب بتسليم عيسيو على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم اقتصادية، بينما يؤكد دفاعه أن موكله كان مستهدفاً سياسياً منذ سنوات، وأن عدداً من الملفات القضائية التي فتحت ضده جاءت عقب نشاطه الإعلامي المعارض.

ويقبع عيسيو حالياً في سجن «بريانس 1»، بقرار من القاضي سانتياغو بيدراز، في انتظار أن تنظر المحكمة الوطنية الإسبانية في طلب التسليم، والمتوقع أن يتم الحسم فيه، مبدئياً، خلال النصف الثاني من شتنبر المقبل. ويقول محاميه إن موكله قدم ضمانات مالية كافية تثبت عدم وجود نية لديه للفرار، ولذلك طعن الدفاع في قرار إبقائه رهن الاعتقال.

اسم أيوب عيسيو لم يكن مجهولاً في الجزائر، فقد كانت قناة «الجزائرية وان» التي يملكها من المنابر الإعلامية المؤثرة، ووصلت، بحسب معطيات نقلتها الصحيفة الإسبانية عن محيطه، إلى نحو 200 مليون مشاهدة شهرياً، مع قرابة 9 ملايين مشترك ومتابع عبر مختلف المنصات.

وهنا تكمن حساسية الملف؛ فالرجل ليس مجرد رجل أعمال مطلوب في قضية اقتصادية، بل شخصية ارتبط اسمها بوسيلة إعلامية كانت تنتقد النظام الجزائري، قبل أن تغلق السلطات القناة وتفتح في حقه 14 قضية تتعلق بالسب والقذف والإهانة، وفق الرواية التي أوردتها الصحيفة الإسبانية.

والأكثر إثارة أن المقربين من عيسيو لا ينظرون إلى توقيت الاعتقال باعتباره مجرد مصادفة. فقد أوقف الرجل في إسبانيا في الفترة نفسها تقريباً التي كان فيها سانشيز في الجزائر لمحاولة إعادة العلاقات الثنائية إلى مسارها الطبيعي. ومن هنا برزت فرضية، لم تثبت رسمياً، مفادها أن اعتقاله قد يُقرأ كإشارة سياسية لإرضاء السلطات الجزائرية، أو كجزء من مناخ التقارب الجديد بين مدريد والجزائر.

لكن مدريد، في المقابل، تتعامل مع الملف من زاوية قضائية، فيما يبقى القرار النهائي بيد المحكمة الوطنية الإسبانية، التي يتعين عليها دراسة طلب التسليم والظروف القانونية المحيطة به، قبل اتخاذ قرارها بشأن مصير المعارض الجزائري.

وتستعيد القضية بذلك شبح سابقة أثارت جدلاً واسعاً في إسبانيا، ويتعلق الأمر بالمعارض الجزائري السابق محمد بن حليمة، الذي سلمته مدريد إلى الجزائر سنة 2022، في خضم أزمة سياسية حادة بين البلدين. وقد أثار القرار آنذاك انتقادات من منظمات حقوقية، من بينها منظمة العفو الدولية، التي وصفت عملية الترحيل بأنها «مخجلة».

أما عيسيو، فقد غادر الجزائر سنة 2019 وسط ضغوط سياسية وقضائية، قبل أن ينتقل إلى فرنسا ويطلب اللجوء السياسي. غير أن ملف اللجوء، بحسب المعطيات التي أوردتها الصحيفة، لم يُحسم بعد، بينما تقول السلطات الجزائرية إن الرجل مطلوب أيضاً في قضايا اقتصادية أخرى.

ويقدم الدفاع رواية مختلفة تماماً، إذ يؤكد أن بعض المحاكمات جرت غيابياً، وأن موكله لم يُستدعَ للمثول أمام عدد من المحاكم، كما يشير إلى أن إحدى القضايا المرتبطة بشيك دون رصيد انتهت بحكم ثقيل يصل إلى 20 سنة سجناً، مع وجود معطيات، وفق المحامي، تشير إلى أن الشخص الذي تقدم بالشكوى قال إن الشرطة ضغطت عليه لتوجيه الاتهام إلى رجل الأعمال.

وتزداد القضية تعقيداً مع حديث الدفاع عن ضغوط تعرض لها عيسيو في فرنسا أيضاً. وبحسب رواية محاميه، تلقى عدد من المعارضين الجزائريين رسائل إلكترونية مزيفة بدت وكأنها صادرة عن أجهزة الأمن الفرنسية، فيما تعرض أحد أصدقاء عيسيو، وفق الرواية نفسها، لاعتداء ومحاولة اختطاف بعد استدراجه إلى فندق.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ يقول محاميه إن صوراً لعيسيو جرى تداولها في الجزائر إلى جانب العلمين الإسرائيلي والمغربي، في محاولة، بحسب الدفاع، لتشويه صورته وربطه بجهات تعتبرها السلطات الجزائرية خصوماً لها.

ومن داخل زنزانته، يؤكد عيسيو، وفق ما نقلته الصحيفة الإسبانية عن محاميه، أنه لن يتراجع عن معارضته للنظام الجزائري، وأنه سيواصل ما يعتبره «نضالاً ضد حكومة بلاده» في حال خروجه من السجن.

وبين رواية جزائرية تتحدث عن ملفات جنائية واقتصادية، ورواية دفاع ترى خلفها دوافع سياسية، تجد إسبانيا نفسها أمام اختبار حساس: هل يتعلق الأمر بمتهم مطلوب في قضايا قضائية، أم بمعارض سياسي قد يتحول تسليمه إلى قضية حقوقية ودبلوماسية من العيار الثقيل؟

والأهم أن توقيت الاعتقال، المتزامن مع مساعي سانشيز لإعادة الدفء إلى العلاقات مع الجزائر، يمنح القضية بعداً يتجاوز جدران سجن «بريانس 1». فقرار المحكمة الوطنية الإسبانية المرتقب في شتنبر لن يحسم فقط مصير أيوب عيسيو، بل قد يكشف أيضاً إلى أي حد تستطيع مدريد الفصل بين الحسابات القضائية وحسابات التقارب السياسي مع الجزائر.

14/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts