أعادت التطورات الأخيرة المرتبطة بسبتة ملف الهجرة غير النظامية إلى صدارة النقاش المغربي والإسباني والأوروبي، بعدما أظهرت قدرة أعداد كبيرة من الشباب على التحرك الجماعي والسريع. ويرى المحلل السياسي مصطفى قرايشي أن الظاهرة لا يمكن اختزالها في الهجرة الاقتصادية التقليدية، بل تقترب من نمط “هجين” يجمع بين دوافع الهجرة وأشكال الفعل الاحتجاجي، خاصة مع التراجع العام للتدفقات غير النظامية نحو إسبانيا خلال 2025 مقابل الارتفاع الحاد المسجل في نهاية يوليوز. ويعزو قرايشي سرعة التعبئة، جزئيا، إلى تداول تأويلات عبر شبكات التواصل الاجتماعي بشأن قرار قضائي إسباني صدر في 29 يونيو 2026، وهو ما ساهم، بحسب قراءته، في خلق انطباع بوجود فرصة استثنائية للعبور، مع التشديد على ضرورة الفصل بين المعطيات الموثقة والتقديرات المتعلقة بأعداد المشاركين ودوافعهم.
وبحسب المحلل، لم يعد الفقر المدقع وحده كافيا لتفسير دوافع الهجرة، في ظل تنامي حضور شباب متعلمين وحاصلين على شهادات جامعية أو تكوين مهني، واتساع الظاهرة في المدن وارتفاع محاولات الهجرة التي تشمل قاصرين. ويربط قرايشي هذا التحول بما يسميه “الحرمان النسبي”، أي شعور فئات من الشباب بأن التعليم والتكوين لا يضمنان بالضرورة المكانة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي المنتظرين، إلى جانب أربعة عوامل متداخلة تتمثل في محدودية سوق الشغل، وتراجع الثقة في إمكانات الترقي الاجتماعي، والبعد الرمزي للهجرة باعتبارها مسارا للنجاح، ثم تأثير شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات التهريب في تسريع الانتقال من التفكير في الهجرة إلى محاولة تنفيذها. كما يحذر من كلفة مغادرة الفئات الشابة والمتعلمة على الرأسمال البشري، ويرى أن استمرار الهجرة كخيار واسع قد يعزز التطلع إلى فرص الخارج، في وقت أصبحت فيه الهجرة أيضا عنصرا في النقاش السياسي والدبلوماسي بين المغرب وشركائه الأوروبيين.
ويرى قرايشي أن المقاربة الأمنية قادرة على الحد من التدفقات أو تغيير مساراتها، لكنها لا تعالج بالضرورة الأسباب العميقة التي تدفع بعض الشباب إلى المغادرة، داعيا إلى التركيز على فرص العمل وتحسين آفاق الترقي الاجتماعي في المناطق المصدرة للهجرة، بالتوازي مع توسيع قنوات الهجرة النظامية عبر برامج للهجرة المهنية والدائرية. ويعتبر أن نجاح هذا المسار يظل رهينا بمدى استعداد الدول الأوروبية لتوفير فرص فعلية للعمل والتكوين، مع إبقاء حماية القاصرين أولوية مستقلة عن الاعتبارات الأمنية. وتخلص هذه القراءة إلى أن أحداث سبتة أعادت إلى الواجهة سؤال علاقة الشباب المغربي بالمستقبل وبالمؤسسات وبفرص الهجرة، وأن معالجة الظاهرة على المدى الطويل قد تتطلب، إلى جانب ضبط الحدود، جعل خيار البقاء أكثر جاذبية وأقل كلفة بالنسبة إلى الشباب.
14/08/2026