kawalisrif@hotmail.com

مليلية وسبتة :   بولانيوس يبتسم مع وهبي، والإعلام الإسباني يحوّل كأس العالم إلى معركة حول السيادة

مليلية وسبتة : بولانيوس يبتسم مع وهبي، والإعلام الإسباني يحوّل كأس العالم إلى معركة حول السيادة

في مشهد يكشف تناقضات الخطاب السياسي والإعلامي الإسباني تجاه المغرب، اختارت صحيفة «أوكي دياريو» تقديم لقاء وزير الرئاسة والعدل والعلاقات مع البرلمان الإسباني، فيليكس بولانيوس، بنظيره المغربي عبد اللطيف وهبي، باعتباره مناسبة مثيرة للقلق، فقط لأن المسؤول المغربي أكد أن قضية سبتة ومليلية المحتلتين لا تزال مطروحة بالنسبة إلى المغرب.

الصحيفة ذهبت أبعد من ذلك، عندما أوحت في عنوانها بأن بولانيوس كان ( يستعد بين الضحك ) لكأس العالم إلى جانب الوزير المغربي الذي وصفته بأنه يقود “الهجوم” على سبتة ومليلية. وهي صياغة تكشف محاولة تحويل لقاء رسمي مرتبط بالتعاون المغربي الإسباني والبرتغالي في تنظيم مونديال 2030 إلى مادة للصراع السياسي والإعلامي الداخلي في إسبانيا.

المفارقة أن المقال نفسه يعترف بأن اللقاءات تأتي في إطار مذكرة تفاهم تهدف إلى تعزيز التعاون القضائي العابر للحدود، ومكافحة الجريمة، والتنسيق استعداداً لتنظيم المونديال. ومع ذلك، تحاول الصحيفة تقديم هذا التعاون وكأنه يتناقض مع الموقف المغربي من قضية سبتة ومليلية المحتلتين.

والأكثر دلالة أن اللقاء لم يكن مجرد صورة بروتوكولية، بل شارك فيه أيضاً مدير الشؤون الجنائية والعفو وكشف الجرائم، هشام ملاطي، وقاضية الاتصال المغربية لدى السلطات القضائية الإسبانية، نادية اليوسفي، بما يعكس الطابع المؤسساتي والقضائي للتنسيق بين الرباط ومدريد.

وحضور هذه الشخصيات يؤكد أن التعاون المغربي الإسباني لا يقتصر على المجاملات السياسية أو التحضير للمونديال، بل يمتد إلى ملفات حساسة، من التعاون القضائي إلى مكافحة الجريمة وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المختصة في البلدين.

وهنا تبرز المفارقة: هل يُطلب من المغرب أن يتخلى عن موقفه التاريخي بشأن سبتة ومليلية حتى يصبح التعاون مع إسبانيا مقبولاً لدى بعض الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية؟ أم أن مدريد تريد شريكاً مغربياً في الأمن والهجرة والقضاء والاقتصاد وتنظيم كأس العالم، لكنها تريد منه الصمت عندما يتعلق الأمر بقضية تعتبرها الرباط جزءاً من القضايا الوطنية العالقة؟

عبد اللطيف وهبي كان واضحاً عندما أكد أن موضوع سبتة ومليلية «لا يزال مطروحاً على الطاولة»، وأن المغرب يتعامل معه بمنطق الصبر والاستراتيجية طويلة الأمد. وهذا لا يعني، في حد ذاته، دعوة إلى مواجهة أو تصعيد عسكري، وإنما تعبير عن موقف سياسي معروف بشأن مدينتين تقعان جغرافياً على الساحل الشمالي للمغرب.

لكن “أوكي دياريو” اختارت مصطلحات من قبيل ( الهجوم و التهديد و الغزو ) ، وهي عبارات لا تساعد على فهم القضية بقدر ما تساهم في تأجيجها. كما أن استعمال تعبير «الغزو» عند الحديث عن أزمة الهجرة يحاول ربط ملف الهجرة بمسألة السيادة، وتقديم الأزمة من زاوية واحدة تخدم خطاباً سياسياً محدداً.

والواقع أن العلاقة المغربية الإسبانية أكثر تعقيداً من هذه القراءة. فالمغرب وإسبانيا يتعاونان في ملفات حساسة، من مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة إلى الهجرة والتجارة والأمن والقضاء، فضلاً عن التحضير المشترك لمونديال 2030. ومن الصعب تصوير هذا التعاون كله على أنه بلا قيمة، ثم اعتبار لقاء وزيرين مشكلة سياسية لمجرد أن أحدهما يتمسك بموقف بلاده من سبتة ومليلية المحتلتين.

أما حديث الصحيفة عن «الضحك» خلال اللقاء، فيبدو أقرب إلى صناعة عنوان مثير منه إلى تحليل سياسي جاد. فالابتسامة في صورة دبلوماسية لا تلغي الخلافات، كما أن الخلاف حول قضية سيادية لا يعني بالضرورة قطع قنوات الحوار والتعاون.

بل إن حضور هشام ملاطي ونادية اليوسفي يضع الرواية الإعلامية الإسبانية أمام سؤال واضح: إذا كان المغرب، كما توحي الصحيفة، طرفاً في «هجوم» على إسبانيا، فلماذا تستمر في الوقت نفسه قنوات التعاون القضائي والأمني بين مؤسسات البلدين؟ ولماذا يجري تعزيز الآليات المشتركة لمكافحة الجريمة والتنسيق القضائي؟

وفي أبريل من العام الجاري، توجه بولانيوس إلى الرباط للقاء وهبي، إلى جانب وزيرة العدل البرتغالية ريتا جوديس، حيث تم توقيع مذكرة تفاهم للتحضير لتنظيم كأس العالم 2030، بهدف تعزيز التعاون القضائي العابر للحدود بين الدول الثلاث، مع إمكانية توسيع نطاقه إلى ما بعد البطولة.

وقبل ذلك، في دجنبر من العام الماضي، استقبل بولانيوس وزير العدل المغربي في مقر وزارته، في سياق الاجتماع رفيع المستوى بين إسبانيا والمغرب، بمشاركة هشام ملاطي ونادية اليوسفي، بما يعكس استمرارية التواصل المؤسساتي والقضائي بين البلدين.

لكن “أوكي دياريو” اختارت نقل القصة من مستوى التعاون إلى مستوى الصراع، وجعلت من الموقف المغربي بشأن سبتة ومليلية عنواناً يطغى على كل ما عداه. وهنا يتحول الإعلام من وسيلة لشرح العلاقات الدولية إلى أداة في التجاذب السياسي الداخلي الإسباني.

فالحزب الشعبي الإسباني وسّع انتقاداته للحكومة بسبب إدارتها لأزمة الهجرة، وطالب بالكشف عن الاتصالات التي أجراها بولانيوس مع نظيره المغربي، كما دعا إلى مزيد من الضغط السياسي بشأن موقف الحكومة من تصريحات المسؤولين المغاربة حول سبتة ومليلية.

وهكذا يصبح المغرب مرة أخرى جزءاً من المعركة السياسية بين الحكومة والمعارضة في إسبانيا، بدلاً من أن يكون موضوعاً لنقاش عقلاني حول مستقبل العلاقات بين البلدين.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا يُنظر إلى تأكيد المغرب لموقفه من سبتة ومليلية باعتباره ( هجوماً ) ، بينما يُقدم الموقف الإسباني المقابل باعتباره حقيقة نهائية لا تقبل النقاش؟

قد يختلف الطرفان جذرياً حول مستقبل المدينتين، وهذا أمر واقع، لكن الاختلاف السياسي لا يحتاج إلى قاموس عسكري ولا إلى لغة تخويف. كما أن المغرب لم يجعل من قضية سبتة ومليلية المحتلتين سبباً لوقف التعاون مع إسبانيا، بل واصل الحوار والعمل المشترك في ملفات استراتيجية.

بل إن كأس العالم 2030 يمكن أن تصبح مساحة للتعاون بدل أن تتحول إلى ساحة لتبادل الاتهامات. فالمونديال الذي ستحتضنه المغرب وإسبانيا والبرتغال يمثل فرصة لإبراز قدرة الدول الثلاث على إدارة مصالحها المشتركة بعقلانية، وليس تحويل كل اجتماع إلى معركة حول السيادة.

غير أن بعض المنابر الإسبانية تبدو مصرة على قراءة كل خطوة مغربية من خلال عدسة سبتة ومليلية والهجرة، وكأن المغرب لا يمكن أن يكون شريكاً اقتصادياً وأمنياً واستراتيجياً، وفي الوقت نفسه دولة تتمسك بمواقفها السياسية والوطنية.

المشكلة الحقيقية ليست في أن يلتقي بولانيوس بوهبي، ولا في أن يتبادل المسؤولون الابتسامات، ولا في مشاركة مسؤولين قضائيين مغاربة في اجتماعات التعاون مع نظرائهم الإسبان، بل في محاولة تقديم كل ذلك باعتباره تناقضاً، وكأن التعاون يفرض على المغرب التخلي عن مواقفه.

فالعلاقات الدولية لا تُبنى على منطق “إما معنا أو ضدنا”. يمكن للدول أن تتعاون في ملفات، وتختلف في ملفات أخرى، من دون أن تتحول كل نقطة خلاف إلى أزمة شاملة. والمغرب يتعامل مع هذه المعادلة بمنطق المصالح الاستراتيجية والحوار طويل الأمد.

أما سبتة ومليلية المحتلتان، فتبقيان قضية سياسية حاضرة في الموقف المغربي، مهما حاول البعض دفنها تحت أضواء المونديال أو ملفات الهجرة والأمن والقضاء.

والرسالة واضحة: يمكن للمغرب أن يتعاون مع إسبانيا في القضاء والأمن والهجرة والاقتصاد، وأن يشاركها تنظيم مونديال 2030، وأن يفتح قنوات الحوار على أعلى المستويات، من دون أن يعني ذلك تخليه عن مواقفه بشأن سبتة ومليلية المحتلتين.

وفي المقابل، فإن استمرار بعض وسائل الإعلام الإسبانية في تقديم هذا الموقف باعتباره «هجوماً» لا يخدم سوى إعادة إنتاج التوتر، ويكشف أن جزءاً من المعركة حول المدينتين لا يجري على الحدود فقط، وإنما داخل الصحف وممرات البرلمان الإسباني.

فالمغرب يتحدث بلغة المصالح المشتركة، لكنه لا يتحدث بلغة النسيان. وسبتة ومليلية، مهما غابت عن البيانات الرسمية أو طغت عليها أضواء مونديال 2030، تظلان في الخطاب المغربي ملفاً لم يُغلق بعد؛ ملفاً يمكن أن يظل مفتوحاً على طاولة السياسة والدبلوماسية، من دون أن يمنع ذلك البلدين من التعاون في الملفات التي تجمعهما.

وهنا تكمن المفارقة: الوزراء يلتقون، والمؤسسات القضائية تتعاون، والاتفاقيات تُوقع، والمونديال يُحضَّر، بينما تستمر بعض المنابر في تصوير العلاقة المغربية الإسبانية وكأنها معركة مفتوحة.

لكن الحقيقة أكثر تعقيداً: هناك شراكة تتوسع، وخلافات لم تُحسم، وقضية سيادية يصر المغرب على إبقائها حاضرة. وبين هذه المعادلات، يبقى الرهان الحقيقي على إدارة الخلاف دون التضحية بالمصالح المشتركة.

أما سبتة ومليلية المحتلتان، فستبقيان في انتظار ذلك اليوم الذي تنتهي فيه لغة العناوين النارية، ويبدأ النقاش الحقيقي حول مستقبل مدينتين لا تستطيع الجغرافيا ولا السياسة ولا حملات الإعلام أن تمحو حضورهما من ذاكرة المنطقة.

14/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts