kawalisrif@hotmail.com

من 16 انتصاراً بلا هزيمة إلى غيبوبة.. ضربة غير قانونية أسقطت حلم الملاكم بريتشارد كولون، وأبقته عقداً على كرسي متحرك قبل أن تنهي حياته في الـ33

من 16 انتصاراً بلا هزيمة إلى غيبوبة.. ضربة غير قانونية أسقطت حلم الملاكم بريتشارد كولون، وأبقته عقداً على كرسي متحرك قبل أن تنهي حياته في الـ33

أسدل الموت الستار على واحدة من أكثر القصص الإنسانية إيلاماً في تاريخ الملاكمة، برحيل الملاكم البورتوريكي بريتشارد كولون عن عمر 33 عاماً، بعد نحو 11 عاماً من الإصابة الدماغية الخطيرة التي تعرض لها داخل الحلبة، وحولته من أحد أبرز المواهب الصاعدة في الملاكمة إلى رجل أمضى سنوات طويلة على كرسي متحرك وتحت رعاية أسرته. وأكدت عائلته وفاته يوم الخميس 13 غشت 2026، فيما لم تُعلن، وفق المعطيات المتاحة، تفاصيل طبية دقيقة بشأن السبب المباشر للوفاة.

وكان والد كولون ومدربه، ريتشارد كولون، أول من أعلن خبر رحيل نجله عبر مواقع التواصل الاجتماعي، معبراً عن حزنه، وموجهاً الشكر إلى كل من ساند العائلة بالدعاء والحب خلال سنوات طويلة من المعاناة. وهكذا انتهت حياة ملاكم لم يكن قد تجاوز الثالثة والعشرين عندما انقلبت مسيرته الرياضية رأساً على عقب، تاركاً وراءه قصة أصبحت رمزاً للثمن القاسي الذي قد تدفعه الرياضات القتالية.

ولد بريتشارد كولون في 19 سبتمبر 1992، ونشأ وهو يحلم بأن يصبح بطلاً للعالم ويرفع راية بورتوريكو فوق أكبر حلبات الملاكمة. وقبل الكارثة، كان يُنظر إليه باعتباره أحد ألمع المواهب الصاعدة، ونجح في بناء مسيرة احترافية واعدة جعلت منه اسماً يحظى باهتمام متزايد في عالم الملاكمة.

وعلى مستوى الاحتراف، دخل كولون نزاله الأخير بسجل مثالي بلغ 16 انتصاراً دون هزيمة، بينها 13 فوزاً بالضربة القاضية، بعدما أصبح اسمه مرتبطاً بمشروع بطل قادر على الوصول إلى القمة. وكانت هذه الأرقام تعكس حجم الموهبة التي امتلكها الملاكم البورتوريكي، قبل أن تأتي ليلة 17 أكتوبر 2015 لتغير حياته إلى الأبد.

في ذلك اليوم، واجه كولون الملاكم الأمريكي تيريل ويليامز في مدينة فيرفاكس بولاية فرجينيا، في نزال كان يفترض أن يكون خطوة جديدة على طريق المجد، لكنه تحول إلى نقطة النهاية لمسيرته الرياضية. وخلال المواجهة، تعرض كولون لعدة ضربات في الجزء الخلفي من الرأس، وهي ضربات غير قانونية تُعرف في الملاكمة باسم «ضربات الأرنب»، نظراً إلى خطورتها على الدماغ.

ومع تقدم النزال، تعرض كولون لصدمات متتالية، قبل أن يصل الأمر إلى الجولة الثامنة، حيث سقط على أرض الحلبة مرتين. وفي الجولة التاسعة، ازدادت الفوضى بعدما اعتقد فريقه أن الجولة انتهت، فتم نزع قفازيه، قبل أن يتضح أن النزال لم يكن قد انتهى، لتنتهي المواجهة باستبعاده.

لكن المأساة الحقيقية بدأت بعد مغادرته الحلبة. ففي غرفة تبديل الملابس، تدهورت حالته الصحية سريعاً، وأصيب بالدوار ثم انهار، ليتم نقله على وجه السرعة إلى المستشفى. وهناك كشف الأطباء عن إصابته بتجمع دموي تحت الجافية ونزيف خطير في الدماغ، ما استدعى تدخلاً جراحياً طارئاً لتخفيف الضغط داخل الجمجمة وإنقاذ حياته.

لكن الجراحة لم تكن سوى بداية رحلة أكثر قسوة. فقد دخل كولون في غيبوبة استمرت 221 يوماً، قبل أن يستفيق وهو يعاني من أضرار عصبية بالغة ودائمة. ومنذ ذلك الحين، تحولت حياته من حلم الصعود إلى قمة الملاكمة إلى سنوات طويلة من العلاج والتأهيل والرعاية المستمرة، بعدما أصبح عاجزاً عن العودة إلى الحلبة أو استئناف حياته الطبيعية.

وكانت والدته، نيفيس ميلينديز، في قلب هذه الرحلة القاسية، إذ تولت رعايته لسنوات ورافقته في مراحل مختلفة من العلاج والتأهيل، متمسكة بالأمل في تحقيق تحسن في حالته الصحية. وظلت الأسرة إلى جانبه طوال أكثر من عقد، في مواجهة آثار إصابة أنهت مستقبله الرياضي وهو لا يزال في بداية العشرينيات من عمره.

ولم تتوقف تداعيات مأساة كولون عند أسرته، بل امتدت إلى عالم الملاكمة، بعدما أثارت إصابته نقاشاً واسعاً حول خطورة الضربات التي تستهدف مؤخرة الرأس وضرورة تعزيز حماية الملاكمين داخل الحلبة. وأصبح اسم كولون مرتبطاً في أوساط الملاكمة بالتحذيرات من هذا النوع من الضربات، في واحدة من أبرز الحالات التي أعادت تسليط الضوء على مخاطر الإصابات الدماغية في الرياضات القتالية.

وفي يونيو 2021، منح المجلس العالمي للملاكمة كولون لقب بطل فخري، تكريماً لمسيرته وشجاعته في مواجهة محنته، كما قدم له حزاماً باللونين الأخضر والذهبي. وجاء التكريم ليؤكد أن قصة الملاكم البورتوريكي تجاوزت حدود الأرقام والانتصارات، وأصبحت قصة إنسانية تركت أثراً عميقاً داخل عالم الملاكمة.

ولم تكن معاناة كولون جسدية فقط، إذ ظلت أسرته طوال السنوات الماضية في مواجهة تبعات الإصابة وتكاليف الرعاية والعلاج. كما دخلت القضية في مسار قانوني، بعدما رفعت عائلته دعوى ضد عدد من الأطراف المرتبطة بالنزال، في محاولة لتحميل المسؤولية عن الظروف التي أحاطت بالإصابة.

وبينما كان كولون قد دخل نزال تيريل ويليامز وهو يحمل سجلاً مثالياً من 16 انتصاراً دون هزيمة، بينها 13 بالضربة القاضية، فإن ذلك النزال كان آخر ظهور له في الحلبة. ولذلك فإن الحديث عن «16 انتصاراً دون هزيمة» يشير إلى رصيده قبل النزال الأخير، الذي انتهى باستبعاده، وليس إلى مسيرة انتهت بفوز جديد.

لقد كان بريتشارد كولون في الـ22 من عمره عندما دخل الحلبة بحثاً عن انتصار جديد، لكنه خرج منها إلى رحلة امتدت لأكثر من عقد، بين الإصابة والجراحة والغيبوبة والعلاج والرعاية. وفي النهاية، رحل عن عمر 33 عاماً، بعدما تحولت مسيرته من قصة ملاكم شاب يطرق أبواب النجومية إلى واحدة من أكثر المآسي الإنسانية إيلاماً في تاريخ الرياضات القتالية.

رحيل كولون لا يختصر فقط قصة ملاكم موهوب توقفت مسيرته مبكراً، بل يعيد إلى الواجهة الوجه الأكثر قسوة للملاكمة: رياضة تقوم على القوة والتحمل والمواجهة، لكنها تحمل في طياتها مخاطر قد تغير حياة الرياضي في لحظة واحدة. فقد دخل كولون الحلبة حاملاً حلم البطولة، وغادرها ليقضي ما تبقى من حياته بعيداً عن الأضواء، قبل أن يُسدل الموت الستار على قصته في سن الثالثة والثلاثين.

14/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts