kawalisrif@hotmail.com

الحسيمة :    “الذهب الأحمر” يشعل الشهية … رئيس الغرفة المتوسطية في الواجهة … وحُرّاس البحر يبلعون ألسنتهم، وقاع المتوسط يُفتح للغنيمة.

الحسيمة :    “الذهب الأحمر” يشعل الشهية … رئيس الغرفة المتوسطية في الواجهة … وحُرّاس البحر يبلعون ألسنتهم، وقاع المتوسط يُفتح للغنيمة.

عاد المرجان إلى الواجهة في الحسيمة، لكن عودته هذه المرة لا تشبه عودة ملف عادي إلى التداول؛ إنها عودة «الذهب الأحمر» من قاع البحر إلى صدارة الأسئلة الحارقة. فبعد عقود من الحديث عن وقف الاستنزاف وحماية الأعماق، يظهر من جديد حديث عن استغلال المرجان، وكأن ذاكرة البحر قصيرة، وكأن ما اقتُلع في الماضي لم يكن كافياً، وكأن قاع المتوسط ما زال خزينة مفتوحة تنتظر من يمد يده.

في ثمانينيات القرن الماضي، لم يكن المرجان مجرد ثروة بحرية بالنسبة لمن امتهنوا اقتلاعه، بل كان سباقاً حقيقياً نحو الأعماق. غطاسون محترفون، من بينهم أجانب وتونسيون، اشتغلوا في المنطقة بشراكة مع الإسبان والفرنسيين وأبناء المنطقة، بينما كانت آليات المراقبة البيئية أقل صرامة مما هي عليه اليوم. وكانت النتيجة أن دفعت البيئة البحرية الثمن، قبل أن تأتي مرحلة التشدد في بداية التسعينيات، بعدما أصبح واضحاً أن البحر ليس منجماً ذهبياً يمكن تفريغه ثم إغلاق بابه.

لكن يبدو أن بعض الدروس لا تعيش طويلاً. فبعد مرور عقود، يعود «الذهب الأحمر» ليغري من يراه رقماً في السوق لا كائناً بطيء النمو في قاع البحر. وهنا يصبح السؤال أكثر سخونة من المرجان نفسه: هل نحن أمام استغلال منظم ومستدام فعلاً، أم أمام بداية سباق جديد، هذه المرة تحت سقف الرخص والوثائق والأختام؟

المقرر المتعلق بمصيدة طوبو لم يترك الباب مفتوحاً على مصراعيه؛ فقد حدد موسم الاستغلال، وسقف المصطادات في خمسة أطنان، ووضع قيوداً على الكمية التي يمكن لكل سفينة استخراجها، وعلى عدد الرحلات والغطاسين، وعلى حجم المرجان المسموح بجمعه، إلى جانب أنظمة التتبع والمراقبة. وهذه القيود في حد ذاتها تقول شيئاً بسيطاً: المورد هش، والاستغلال ليس نزهة بحرية، وأي تهاون يمكن أن يحول «الذهب الأحمر» إلى رماد بيئي.

لكن خمسة أطنان في عالم المرجان ليست مجرد خمسة أطنان. إنها ثروة ذات قيمة تجارية عالية بالمليارات، وهذا تحديداً ما يجعل الحكاية أكثر إثارة للريبة والقلق. فكلما ارتفع سعر المورد، ارتفعت شهية الاستغلال، وكلما ارتفعت الشهية، احتاجت الرقابة إلى أن تكون أشد من إغراء المال. وإلا فإننا سنكتشف بعد سنوات أن الأرقام كانت مضبوطة على الورق، بينما كان البحر يُستنزف في الواقع.

والسؤال الذي يرفض أن يغرق هو: من سيستفيد؟ من حصل على الترخيص؟ من يراقب؟ أين تتم عملية العزل والتحويل؟ وإلى أين تذهب الكميات؟ ومن يضمن أن كل غرام خرج من الأعماق سيظل يحمل هويته القانونية حتى يصل إلى وجهته؟ لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يكون هناك استغلال مرخص، وإنما أن تصبح الرخصة مظلة أنيقة تختبئ تحتها فوضى قبيحة.

وتزداد علامات الاستفهام مع ما يتم تداوله محلياً بشأن تجهيز محل في محيط ميناء الحسيمة، قرب الشارع المحاذي لمطعم ميمون، لعزل المرجان وتعبئته استعداداً للتصدير. فالمطلوب ليس الهمس في الزوايا ولا تبادل الكلام في المقاهي، بل توضيح رسمي صريح: من صاحب النشاط؟ ما طبيعة الترخيص؟ ما الكميات التي سيستقبلها؟ ومن هي الجهة التي ستراقب دخوله وخروجه؟

وفي قلب هذا الملف يبرز اسم رئيس غرفة الصيد البحري المتوسطية، منير الدراز، المنتخب في غشت 2024 خلفاً ليوسف بنجلون. وموقع رئيس الغرفة يجعله، بحكم مسؤوليته التمثيلية داخل القطاع، معنياً أكثر من غيره بتوضيح موقفه من ملف يمس ثروة بحرية ومصالح مهنيين وبيئة بحرية، خصوصاً في ظل الحديث عن استفادته الشخصية وارتباطه المباشر بالنشاط التجاري. لكن السؤال المشروع يبقى قائماً: ما موقف رئيس الغرفة؟ ومن المستفيد فعلاً من هذا الملف؟

المثير للسخرية أن الذين يفترض أنهم حراس البحر اختار جلّهم، وفق ما يثار محلياً، أن يدخلوا وضعية «الصامت الرسمي». جمعية الصيد التقليدي، وهي أول من يفترض أن يشعر بالخطر عندما يتعرض المجال البحري لضغط إضافي، مطالبة بموقف واضح. وجمعية تجار السمك مطالبة بدورها بالكلام. وجمعيات الصيادين لا يمكنها أن تتعامل مع القضية وكأن المرجان يوجد في بحر آخر. أما الجمعيات البيئية، فهنا يصبح الصمت أكثر غرابة: أين البيانات؟ أين الوقفات؟ أين الفيديوهات؟ أين «اللايفات» التي تظهر عادة عندما تكون القضية أقل خطراً وأكثر قابلية للاستعراض؟

لقد كانت الحسيمة تعرف في زمن سابق جمعيات لا تخشى الاصطدام. ويكفي تذكّر المواجهة التي خاضتها جمعية «أزير» بالحسيمة في ثمانينيات القرن الماضي دفاعاً عن البيئة البحرية والمرجان، حين تحولت القضية إلى معركة حقيقية وصلت إلى مستويات سياسية وبيئية عليا. آنذاك كان هناك من يرفع صوته عندما كان الصمت أسهل. أما اليوم، فيبدو أن معظم الحناجر اكتشفت فجأة فضيلة الصمت، وأن بعض «حراس البحر» صاروا يراقبون البحر من اليابسة، ربما حتى لا تبتل أقدامهم بماء المواجهة.

وهنا تبدأ الكوميديا السوداء: جمعيات تتحدث باسم الصيادين، وأخرى تتحدث باسم البيئة، وثالثة تتحدث باسم التجار، لكن عندما يصل الدور إلى المرجان، يختفي الكلام وكأنه اصطدم بحاجز مائي. الكل يعرف أن القضية حساسة، والكل يعرف أن «الذهب الأحمر» ليس حجراً عادياً، ومع ذلك يسود صمت يصلح لأن يكون درساً نموذجياً في فن ابتلاع الألسنة.

والأخطر أن العلاقات الشخصية والحسابات الانتخابية والمصالح المتشابكة، إذا صحت بشأن بعض الفاعلين، يمكن أن تجعل الجمعيات تتحول من أدوات للدفاع عن المهنيين إلى ديكور مؤسساتي. لا أحد يتهم أحداً دون دليل، لكن السؤال لا يحتاج إلى اتهام: هل تستطيع هذه الجمعيات أن تقول «لا» عندما يكون الطرف الآخر مسؤولاً أو نافذاً أو صديقاً؟ أم أن بعض الصداقات أصبحت أثمن من البحر نفسه؟

أما فكرة صناعة «الأراجوزات» و«الكراكيز» داخل بعض الهياكل، فهي ليست مجرد استعارة ساخرة إذا تحولت المؤسسات فعلاً إلى واجهات بلا استقلالية. فالمؤسسة التي لا تستطيع أن تنتقد، ليست مؤسسة قوية. والجمعية التي تخاف من خسارة علاقة شخصية، ليست جمعية حرة. والفاعل المهني الذي يختار الصمت عندما تكون مصلحته الجماعية مهددة، لا يحمي القطاع، بل يتركه وحيداً أمام من يملك القوة والمال والنفوذ.

الحسيمة لا تحتاج إلى حراس بحر ينامون عندما يبدأ الاستنزاف ويستيقظون عند توزيع الصور. ولا تحتاج إلى جمعيات تتحول إلى أبواق موسمية. ما تحتاجه هو مؤسسات تقول الحقيقة حتى لو أزعجت، ومهنيون يدافعون عن مصالحهم حتى لو خسروا بعض الصداقات، وجمعيات بيئية تتعامل مع البحر باعتباره قضية حياة لا منصة للعلاقات العامة.

ولهذا يجب أن تكون الأسئلة مباشرة، بلا مساحيق ولا مكياج إداري: من حصل على ترخيص استغلال المرجان؟ ما حدود المنطقة؟ ما الكمية؟ ما مدة الترخيص؟ ما شروط المراقبة؟ من هي وحدات التحويل؟ أين توجد؟ من يملكها أو يديرها؟ كيف تتم مراقبة الكميات؟ ومن يضمن عدم تجاوز سقف الخمسة أطنان؟ والأهم: هل توجد دراسة علمية حديثة تؤكد أن المصيدة قادرة على تحمل هذا الاستغلال دون أن تدفع الثمن لاحقاً؟

القانون موجود، والمراقبة منصوص عليها، والتتبع عبر الأقمار الاصطناعية موجود، والتصريح بالكميات والوزن والتفريغ والتحويل والتصدير يفترض أن يكون مضبوطاً. لكن الورق لا يحمي البحر وحده. فحتى أكثر الأنظمة صرامة يمكن أن تصبح حبراً جميلاً إذا غابت العين التي تراقب واليد التي تحاسب. والبحر لا يملك محامياً عندما يُستنزف؛ لذلك فإن المجتمع المدني والمهنيين والصحافة هم آخر خطوط الدفاع عنه.

والحقيقة القاسية أن الحسيمة ليست في حاجة إلى تجربة جديدة من تجارب الاستنزاف. المصايد تواجه ضغوطاً، والصيادون يواجهون صعوبات، والبيئة البحرية تحتاج إلى حماية حقيقية. وفي مثل هذا الوضع، لا يمكن التعامل مع المرجان باعتباره مجرد فرصة تجارية. فالمرجان ينمو ببطء، وما يُقتلع في دقائق قد يحتاج سنوات طويلة، وربما عقوداً، حتى يعود.

إن أخطر ما في القصة ليس أن يخرج المرجان من البحر؛ الأخطر أن يخرج في الظلام. ليس أن يستفيد المهني من استغلال قانوني؛ الخطر أن تتحول الثروة العامة إلى مجال مغلق لا يعرف المواطن من يديره ومن يستفيد منه. وليس العيب في التجارة؛ العيب أن تصبح التجارة أقوى من الرقابة، وأن يصبح الصمت أقوى من الحق في المعرفة.

ومن هنا، فإن كل من يملك معلومة موثقة حول هذا الملف مطالب بإخراجها إلى الضوء، وكل مؤسسة معنية مطالبة بنشر ما لديها من معطيات، وكل جمعية تدعي الدفاع عن البحر مطالبة بأن تبرهن على ذلك بالفعل لا بالشعارات. أما الاختباء خلف الصمت، فهو لا يحمي أحداً؛ بل يزيد الشكوك ويمنح الشائعات فرصة أن تصبح أقوى من الحقيقة.

لقد سبق لأبناء الحسيمة أن خاضوا معارك من أجل بحرهم، ولم تكن تلك المعارك حفلات علاقات عامة. كانت هناك مواجهة، وغضب، وإصرار على أن البحر ليس ملكاً لمن يملك النفوذ. واليوم، بعد كل هذه السنوات، يعود الامتحان من جديد، لكن السؤال صار أكثر قسوة: هل ما زالت الحسيمة تملك من الشجاعة ما يكفي للدفاع عن بحرها، أم أن «الذهب الأحمر» نجح أخيراً في شراء صمت حُرّاسه؟

في النهاية، المرجان ليس غنيمة شخصية، ولا تركة سياسية، ولا ملكاً لغرفة أو جمعية أو مسؤول. إنه ثروة عمومية وذاكرة بيئية وحق لأجيال لم تولد بعد. ومن يريد استغلاله فليستخرج أولاً كل الوثائق إلى الضوء، وليضع الأرقام أمام الناس، وليكشف المستفيدين، وليقبل الرقابة. أما أن يطلب من الناس الثقة بينما تختبئ التفاصيل خلف الأبواب، فذلك يشبه تماماً أن يقال للحسيميين: “لا تقلقوا، نحن نحرس البحر” … بينما القوارب تغادر وقاع المتوسط يفرغ شيئاً فشيئاً.

والأكثر تهكماً أن البحر، الذي لا يتحدث ولا يصوت ولا يشارك في الانتخابات، قد يكون الوحيد الذي لا يستطيع أحد أن يضعه في جيبه. لكن إذا استمر الصمت، فقد يأتي يوم لا يبقى فيه من «الذهب الأحمر» سوى اسمه، ولا من المرجان إلا صور قديمة، ولا من حراس البحر إلا أسماء جمعيات كانت ذات يوم تصرخ، ثم تعلمت فجأة كيف تهمس.

15/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts