عادت قضية سبتة ومليلية المحتلتين إلى الواجهة من زاوية غير مألوفة، بعدما بدأت منابر إعلامية إسرائيلية وأصوات بحثية أمريكية قريبة من إسرائيل تتناول وضع المدينتين باعتباره امتداداً لملف استعماري قديم، بل وتستخدم في بعض الأحيان تعبير «الأراضي المغربية المحتلة» لوصفهما.
اللافت أن هذا الخطاب لا يظهر هذه المرة في سياق النقاش المغربي التقليدي حول المدينتين، وإنما يأتي في ظل توتر سياسي متزايد بين إسرائيل وإسبانيا، على خلفية مواقف حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز من القضية الفلسطينية وإسرائيل.
ومن أبرز المنابر التي دخلت على خط هذا النقاش موقع Ynetnews، التابع لمجموعة «يديعوت أحرونوت»، والذي نشر في أبريل 2026 تحليلاً تناول فيه دعوة الباحث الأمريكي مايكل روبين الإدارة الأمريكية إلى الاعتراف بسبتة ومليلية باعتبارهما «أراضي مغربية محتلة».
روبين، الباحث في American Enterprise Institute، ذهب أبعد من مجرد إثارة النقاش حول الوضع القانوني والسياسي للمدينتين، إذ وصف إسبانيا بأنها قوة استعمارية تدير مستعمرات عبر مضيق جبل طارق، في خطاب نادر داخل النقاش السياسي الغربي بشأن العلاقة بين مدريد والرباط.
وكان روبين قد طرح، في مارس 2026، فكرة أكثر إثارة للجدل عندما دعا إلى اعتراف أمريكي بسبتة ومليلية كأراضٍ مغربية محتلة، كما اقترح ما وصفه بـ«مسيرة خضراء» جديدة، تقوم على دخول مدنيين مغاربة إلى المدينتين دون سلاح ورفع العلم المغربي، مستلهماً نموذج المسيرة الخضراء سنة 1975.
وبذلك لم يعد الحديث مقتصراً على قراءة تاريخية أو رأي سياسي عابر، وإنما دخل، لدى بعض الأصوات، إلى مستوى طرح سيناريوهات تتصل مباشرة بمسألة السيادة.
ولم تتوقف هذه الطروحات عند كتابات أمريكية، إذ وجدت طريقها إلى منابر إعلامية إسرائيلية، بينها منصة «The Times of Israel»، التي نشرت مقالات تناولت سبتة باعتبارها مدينة مغربية، وربطت بين الوجود الإسباني فيها وبين ما وصفته بالإرث الاستعماري، في وقت تزايد فيه الخلاف السياسي بين حكومة سانشيز وإسرائيل.
وفي هذا السياق، بدأت بعض الأصوات المؤيدة لإسرائيل تستخدم ملف سبتة ومليلية للرد على مدريد، انطلاقاً من فكرة مفادها أن إسبانيا التي تستخدم خطاب الاحتلال والحقوق الوطنية في قضايا دولية، ينبغي أن تواجه الأسئلة نفسها بشأن الأراضي التي تسيطر عليها في شمال إفريقيا.
وهنا تكتسب القضية بعداً مختلفاً. فسبتة ومليلية ليستا فقط موضوع خلاف تاريخي وسيادي بين المغرب وإسبانيا، بل أصبحتا قابليتين للاستخدام كورقة سياسية في صراع أوسع مع حكومة سانشيز.
ووفق التحليل الذي نشره Ynetnews، صرح النائب الأمريكي ماريو دياز-بالارت بأن سبتة ومليلية ليستا ضمن الأراضي الجغرافية لإسبانيا، وأن مستقبلهما ينبغي أن يكون موضوعاً للتحديد والتفاوض والنقاش بين الأصدقاء والحلفاء.
غير أن أهمية هذه التصريحات تكمن في دلالتها السياسية أكثر مما تكمن في كونها تمثل موقفاً رسمياً أمريكياً. فحتى الآن، لا يعني صدور مواقف من باحثين أو سياسيين أمريكيين أو كتاب وإعلاميين إسرائيليين أن واشنطن أو تل أبيب اعتمدتا رسمياً موقفاً جديداً بشأن السيادة على المدينتين.
لكن مجرد انتقال المصطلحات من «مدينتين إسبانيتين» إلى «أراضٍ مغربية محتلة» داخل بعض المنابر الأمريكية والإسرائيلية يفتح الباب أمام معركة جديدة حول الرواية السياسية والتاريخية للمدينتين.
وتزداد حساسية الموضوع بالنظر إلى التطورات التي شهدتها العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة. ففي سنة 2022، غيرت مدريد موقفها من قضية الصحراء المغربية، معلنة دعمها لمقترح الحكم الذاتي باعتباره الأساس الأكثر جدية وواقعية وصدقية لتسوية النزاع، وهو التحول الذي ساهم في إعادة بناء العلاقات بين الرباط ومدريد.
غير أن التقارب بين البلدين لم يضع حداً للخلاف حول سبتة ومليلية. فالرباط تواصل اعتبار المدينتين جزءاً من التراب المغربي، بينما تتمسك مدريد بسيادتها عليهما وترفض إدراج وضعهما السيادي ضمن أي نقاش تفاوضي.
وفي غشت الجاري، عاد الملف إلى الواجهة بعدما جدد وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي الحديث عن المدينتين، لتؤكد مدريد بدورها رفضها لأي نقاش حول السيادة عليهما، وتشدد على أن سلامة أراضيها غير قابلة للتفاوض.
ثم جاءت أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة أواخر يوليوز وبداية غشت لتعيد المدينتين إلى واجهة الاهتمام الدولي. فقد عرفت المدينة تدفقاً جماعياً للمهاجرين من الجانب المغربي، وسط حالة من التوتر الأمني والسياسي، وتحولت الأحداث إلى قضية أوروبية وإسبانية بعدما تحدثت تقديرات مختلفة عن وصول عشرات الآلاف خلال فترة وجيزة.
هذه التطورات أعادت طرح أسئلة قديمة بصيغة جديدة: هل تستطيع إسبانيا الاستمرار في التعامل مع سبتة ومليلية باعتبارهما مدينتين إسبانيتين عاديتين، رغم موقعهما الجغرافي داخل شمال إفريقيا؟ وهل يمكن فصل وضعهما عن العلاقات السياسية والأمنية والاقتصادية بين مدريد والرباط؟ وهل يمكن أن تتحول الهجرة إلى ورقة ضغط غير مباشرة في ملف السيادة؟
في المقابل، فإن استخدام قضية سبتة ومليلية من طرف بعض الأصوات الإسرائيلية والأمريكية لا يبدو، بالضرورة، نابعاً من تبني المطالب المغربية من منظور مبدئي، بقدر ما يعكس في بعض الحالات محاولة لاستعمال الملف في مواجهة حكومة سانشيز بسبب مواقفها من إسرائيل والقضية الفلسطينية.
وهنا يجب التمييز بين مستويين مختلفين: الأول هو وجود كتاب وباحثين وإعلاميين وسياسيين أمريكيين وإسرائيليين يستخدمون بالفعل مفردات قريبة من الرواية المغربية بشأن سبتة ومليلية، والثاني هو وجود موقف رسمي أمريكي أو إسرائيلي يتبنى المطالبة بسيادة المغرب على المدينتين، وهو أمر لا يمكن استخلاصه من تلك التصريحات الفردية.
ومع ذلك، فإن خطورة التطور تكمن في اللغة المستخدمة. فكلمة «مستعمرة» ليست مجرد توصيف تاريخي، وعبارة «أرض مغربية محتلة» ليست مجرد وصف جغرافي، بل تحمل دلالات سياسية وقانونية مرتبطة بقضايا الاستعمار وتقرير المصير والسيادة.
وعندما تنتقل هذه المفردات إلى منابر إعلامية أمريكية وإسرائيلية، فإنها تمنح الملف قدرة أكبر على الحضور في النقاش الدولي، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع أزمات الهجرة والتوتر السياسي بين مدريد وتل أبيب والخلافات القائمة بين الرباط ومدريد.
وبهذا المعنى، قد تكون سبتة ومليلية بصدد الانتقال من كونها ملفاً ثانوياً في العلاقات المغربية الإسبانية إلى ورقة قابلة للاستخدام داخل لعبة جيوسياسية أوسع.
فإسبانيا تجد نفسها اليوم أمام شبكة معقدة من الملفات: علاقتها بالمغرب، موقفها من القضية الفلسطينية، علاقتها بإسرائيل، علاقاتها بالولايات المتحدة، إضافة إلى الهجرة وأمن الحدود في جنوب أوروبا.
أما المغرب، فيمكنه الاستفادة من استمرار حضور قضية المدينتين في النقاش الدولي دون الحاجة إلى الدخول في مواجهة مباشرة مع مدريد، خصوصاً أن أي تغيير حقيقي في موازين الملف يحتاج إلى تحولات سياسية وقانونية أكبر بكثير من مجرد مقالات أو تصريحات صادرة عن باحثين وإعلاميين.
وهكذا، فإن ما بدأ كنزاع تاريخي وسيادي بين المغرب وإسبانيا بدأ يجد طريقه إلى صراعات سياسية وجيوسياسية أوسع، حيث أصبحت سبتة ومليلية تُستخدم أحياناً للضغط على مدريد، خصوصاً في ظل الخلاف المتصاعد بين الحكومة الإسبانية وإسرائيل.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط ما إذا كانت سبتة ومليلية ستبقيان في صدارة الخلاف المغربي الإسباني، بل ما إذا كان الملف سيبدأ فعلاً في التحول إلى ورقة جيوسياسية تستخدمها أطراف أخرى في صراعاتها مع إسبانيا.
17/08/2026