عاد ملف سبتة ومليلية المحتلتين إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي في إسبانيا، بعدما كشفت مذكرات الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول عن تفاصيل لافتة بشأن طبيعة النقاش الذي كان يجمعه بالملك الراحل المغفور له الحسن الثاني حول مستقبل المدينتين، في معطى يعيد تسليط الضوء على أن قضية السيادة ظلت حاضرة في صلب العلاقات المغربية الإسبانية رغم مرور عقود من الزمن.
ووفق ما أوردته وكالة «إيفي» الإسبانية، فإن خوان كارلوس أكد في مذكراته أن خلافاً حول سيادة سبتة ومليلية كان قائماً باستمرار بين المغرب وإسبانيا، مشيراً إلى أن الحسن الثاني كان يترك الملف مفتوحاً أمام المستقبل بعبارة حملت دلالة سياسية قوية: «سيتعين على الجيل المقبل أن يحلّه»، وهي العبارة التي تعود اليوم إلى الواجهة في سياق إقليمي مختلف تماماً.
المثير في الرواية الإسبانية أن «الجيل المقبل» الذي تحدث عنه الراحل الحسن الثاني أصبح حاضراً بالفعل في المشهد السياسي، ممثلاً في الملك محمد السادس من الجانب المغربي والملك فيليبي السادس من الجانب الإسباني، ما يمنح العبارة القديمة حمولة جديدة، خصوصاً في ظل التحولات التي شهدتها العلاقات بين الرباط ومدريد خلال السنوات الأخيرة، وانتقالها من مراحل التوتر إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.
وتأتي هذه المعطيات في وقت عاد فيه ملف جيبي سبتة ومليلية المحتلين إلى واجهة الجدل الإسباني من بوابة الهجرة والأمن، بالتزامن مع حديث الصحيفة عن أزمة مرتبطة بدخول أعداد كبيرة من المهاجرين بشكل غير نظامي إلى سبتة ومليلية، في وقت أعاد فيه مسؤول حكومي مغربي، وفق المصدر نفسه، التأكيد على المطالبة بالأراضي التابعة للمدينتين، ليظهر مجدداً أن الملف لم يفقد حضوره رغم التعاون القائم بين البلدين.
وتكشف مذكرات خوان كارلوس كذلك جانباً من العلاقة الشخصية التي جمعته بالحسن الثاني، إذ يقول الملك الإسباني السابق إنه نجح في بناء «علاقة خاصة» مع الملك الحسن الثاني، حتى إنه كان يصفه بـ«الأخ»، معتبراً أن المغرب كان شريكاً اقتصادياً رئيسياً لإسبانيا، وأن الصداقة التي جمعتهما ساهمت في الحفاظ على استقرار العلاقات الثنائية رغم الخلافات التي كانت تندلع بين حكومتي البلدين.
ويشير خوان كارلوس إلى أنه كان يلجأ أحياناً إلى الاتصال المباشر بالحسن الثاني من أجل محاولة احتواء بعض الأزمات وتخفيف حدة التوتر، في صورة تعكس طبيعة العلاقات الشخصية التي كانت تتحكم في جزء من الدبلوماسية المغربية الإسبانية خلال تلك المرحلة، رغم استمرار الملفات الحساسة، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية وسبتة ومليلية المحتلتان.
غير أن بداية العلاقة بين الرجلين، بحسب المذكرات نفسها، ارتبطت بواحدة من أكثر اللحظات حساسية في التاريخ الحديث للعلاقات بين البلدين، وهي المسيرة الخضراء التي نظمها المغرب نحو أقاليمه الجنوبية، في وقت كانت فيه إسبانيا تمر بمرحلة سياسية دقيقة قبيل وفاة فرانثيسكو فرانكو، وهو ما وضع مدريد أمام ضغط سياسي وشعبي كبير.
ويستعيد خوان كارلوس كيف قرر التوجه إلى العيون في تلك الفترة والوقوف إلى جانب القوات الإسبانية، قبل أن تتجه الأحداث نحو انسحاب إسبانيا من الصحراء المغربية، وهي المرحلة التي شكلت، من وجهة نظره، نقطة مفصلية في العلاقة مع الحسن الثاني، بعدما انتقل الطرفان لاحقاً من المواجهة السياسية إلى بناء قنوات اتصال مباشرة وشخصية.
وبعد عودته إلى مدريد، يقول خوان كارلوس إن الحسن الثاني اتصل به هاتفياً، وكانت تلك المكالمة أول اتصال مباشر بين الرجلين، حيث هنأه على وجوده إلى جانب جنوده، مؤكداً أن بإمكانهما بعد ذلك مناقشة ملف الصحراء والعلاقات بين البلدين بهدوء، وهي المكالمة التي وصفها الملك الإسباني السابق بأنها كانت قصيرة لكنها مطمئنة.
ومن اللافت أن خوان كارلوس اختار أن يضع هذه التفاصيل في مذكراته في سياق حديثه عن العلاقات مع المغرب، في وقت يظل فيه ملف المدينتين المحتلتين أحد أكثر الملفات حساسية بين الرباط ومدريد، خصوصاً أن الموقع الجغرافي للمدينتين يجعلهما مرتبطتين بشكل مباشر بالمجال الترابي المغربي وبالمعادلات الأمنية والاقتصادية والهجرة في شمال المملكة.
وبينما قطعت العلاقات المغربية الإسبانية أشواطاً مهمة في مجالات التجارة والأمن والهجرة والتعاون السياسي، فإن سبتة ومليلية المحتلتين تظلان حاضرتين كملف تاريخي لم يتم الحسم فيه، وهو ما يجعل العبارة التي نقلها خوان كارلوس عن الحسن الثاني تبدو اليوم أكثر إثارة للانتباه من أي وقت مضى: «سيتعين على الجيل المقبل أن يحلّه».
فهل كان الحسن الثاني يتحدث عن جيل بعينه، أم عن مسار تاريخي طويل سيقود في النهاية إلى تسوية مستقبلية؟ سؤال تعيده مذكرات خوان كارلوس إلى الواجهة، خصوصاً أن المغرب وإسبانيا يعيشان اليوم مرحلة مختلفة، وأن جلالة الملك محمد السادس وفيليبي السادس يقفان أمام إرث سياسي لم تُغلق كل صفحاته، وفي مقدمته ملف سبتة ومليلية المحتلتين.
وبين ذاكرة الحسن الثاني ومذكرات خوان كارلوس، يبدو أن الزمن لم ينجح في طي صفحة المدينتين، بل أعادها كل مرة في ثوب جديد؛ تارة عبر السياسة، وتارة عبر الهجرة، وأحياناً عبر الأمن والاقتصاد، لتظل سبتة ومليلية عنواناً لملف حساس ينتظر، وفق القراءة التي أعادتها هذه المذكرات إلى الواجهة، لحظة الحسم التي تحدث عنها جلالة المغفور له الحسن الثاني، طيب الله ثراه، قبل عقود.
17/08/2026