kawalisrif@hotmail.com

إسبانيا: الحرس المدني يقرع ناقوس الخطر.. شبكات المخدرات تتحدى الدولة في الجنوب

إسبانيا: الحرس المدني يقرع ناقوس الخطر.. شبكات المخدرات تتحدى الدولة في الجنوب

في مشهد يكشف حجم التوتر المتصاعد على السواحل الجنوبية لإسبانيا، خرجت الجمعية الموحدة للحرس المدني الإسباني بتحذير شديد اللهجة بشأن الوضع الذي يعيشه عناصرها المنتشرون في مناطق الجنوب، مؤكدة أنهم يواجهون شبكات إجرامية باتت تتحرك، وفق توصيفها، بعنف متزايد وبقدر غير مسبوق من الجرأة والإفلات من العقاب، في وقت تبدو فيه الأجهزة الأمنية عاجزة عن مواكبة حجم التحديات الميدانية.

واعتبرت الجمعية أن عناصر الحرس المدني يعيشون حالة من «الإهمال الشديد وانعدام الحماية ووضع غير قابل للاستمرار»، خصوصًا في المناطق التي تنشط فيها شبكات الاتجار بالمخدرات، مشيرة إلى الهجمات المتكررة على زوارق الدوريات، وعمليات الصدم التي تنفذها زوارق تهريب المخدرات، فضلًا عن الاعتداءات المباشرة على عناصر الأمن في قادش وويلبة وألمريا ومختلف المناطق المحاذية لمضيق جبل طارق.

وتأتي هذه الانتقادات عقب أحداث دامية شهدتها مدينة إيسلا كريستينا في مقاطعة ولبة، حيث سقط ثلاثة قتلى جراء إطلاق النار، وهي الواقعة التي أعادت إلى الواجهة سؤالًا أكثر إحراجًا للسلطات الإسبانية: إلى أي حد أصبحت شبكات الجريمة المنظمة قادرة على فرض قواعدها في مناطق يفترض أنها تخضع لرقابة أمنية مشددة؟

وترى الجمعية الموحدة للحرس المدني أن ما يحدث لم يعد مجرد مواجهات متفرقة بين عناصر الأمن ومهربي المخدرات، بل تحول إلى تحد مباشر لهيبة الدولة، معتبرة أن التنظيمات الإجرامية «فقدت كل احترام للسلطة». وهي خلاصة تعكس، في نظرها، اتساع الفجوة بين الإمكانات المتوفرة لدى الأجهزة الأمنية وبين الأساليب والوسائل التي تستخدمها شبكات التهريب.

ولم تستثن الجمعية وزارة الداخلية الإسبانية من انتقاداتها، متهمة إياها بالرد على الوضع بما وصفته بـ«التقاعس والترقيعات الدعائية»، في ظل نقص مقلق في الموارد البشرية والتجهيزات. وبعبارة أخرى، فإن عناصر الأمن، وفق هذا الطرح، يجدون أنفسهم في مواجهة شبكات منظمة ومجهزة، بينما تكتفي الدولة بإجراءات مؤقتة لا تعالج أصل المشكلة.

وطالبت الجمعية بإقرار تعويض مالي خاص لعناصر الحرس المدني العاملين في الحدود الجنوبية، باعتبار أن طبيعة المهام التي يؤدونها تعرضهم لمخاطر استثنائية، كما دعت إلى إعادة الوحدة المتخصصة في مكافحة شبكات المخدرات بجنوب إسبانيا، معتبرة أن تفكيك هذه الوحدة أضعف القدرة العملياتية على مواجهة التنظيمات الإجرامية الناشطة في المنطقة.

كما طالبت بإعلان المناطق المتأثرة بنشاط الاتجار بالمخدرات في الأندلس والحدود الجنوبية مناطق ذات خصوصية استثنائية، بما يسمح، بحسب الجمعية، بتوفير إمكانات أكبر وتحسين ظروف عمل العناصر الأمنية، إلى جانب إعادة هيكلة واستعادة الوحدة المتخصصة في مكافحة المخدرات، وتزويد الحرس المدني بوسائل وتجهيزات حديثة تتناسب مع طبيعة المواجهة.

ولم تتوقف المطالب عند الجانب اللوجستي، إذ دعت الجمعية أيضًا إلى تشديد العقوبات على الاعتداء على عناصر السلطة أثناء أداء مهامهم، مع ضمان المصادرة الفعلية لممتلكات وأصول شبكات الاتجار بالمخدرات، معتبرة أن ضرب البنية المالية لهذه الشبكات لا يقل أهمية عن ملاحقة عناصرها في الميدان.

وتكشف هذه التصريحات عن أزمة أمنية تتجاوز قضية المخدرات في حد ذاتها، لتطرح سؤالًا حول قدرة الدولة الإسبانية على فرض سيطرتها الكاملة على سواحلها الجنوبية، خصوصًا في منطقة استراتيجية تقع على مقربة من المغرب، وتتحول باستمرار إلى نقطة عبور رئيسية لشبكات التهريب والهجرة غير النظامية.

واللافت أن هذه الانتقادات تأتي في وقت تنشغل فيه إسبانيا أيضًا بأزمة الهجرة غير النظامية في سبتة المحتلة، وبالضغط المتزايد على أجهزتها الأمنية بسبب تدفق المهاجرين والجدل السياسي حول إدارة الحدود. وبينما تحاول مدريد تقديم نفسها باعتبارها تملك منظومة أمنية متقدمة لحماية حدودها، تأتي تصريحات الحرس المدني لتقدم صورة أكثر قتامة من الداخل.

فحين يخرج جهاز أمني إلى العلن للحديث عن نقص التجهيزات، وانعدام الحماية، والجرأة المتزايدة لشبكات الجريمة المنظمة، فإن المشكلة لا تعود مرتبطة بمهرب أو زورق سريع، بل تصبح مرتبطة بقدرة الدولة نفسها على فرض القانون. وفي هذه الحالة، يبدو أن زوارق المخدرات لم تعد مجرد وسيلة للتهريب، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لهيبة الدولة الإسبانية على سواحلها الجنوبية.

والأكثر إحراجًا أن الجمعية لا تطالب فقط بالمزيد من العناصر أو المعدات، بل تتحدث صراحة عن ضرورة استعادة السيطرة قبل أن تتحول مناطق الجنوب إلى فضاءات تتقدم فيها شبكات الجريمة خطوة كلما تراجعت الدولة خطوة. وبين البيانات الرسمية والخطابات السياسية، يبدو أن البحر الأبيض المتوسط ومضيق جبل طارق يحتفظان بالكلمة الفصل: من يملك الوسائل على الأرض، هو من يفرض قواعد اللعبة.

19/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts