kawalisrif@hotmail.com

الحسيمة :      من يقتلع آخر ما تبقى من الذهب الأحمر ؟ عندما يصبح “المرجان” في مهبّ الترخيص وجواز مرور من رئيس الغرفة إلى قاع البحر

الحسيمة : من يقتلع آخر ما تبقى من الذهب الأحمر ؟ عندما يصبح “المرجان” في مهبّ الترخيص وجواز مرور من رئيس الغرفة إلى قاع البحر

موضوع استخراج واستنزاف ما تبقى من المرجان الأحمر بسواحل الحسيمة لم يعد مجرد ملف تقني يمكن أن يُوضع في درج المهنيين ثم يُغلق عليه إلى حين إشعار آخر، بل قضية تستحق أن تُفتح على مصراعيها، انطلاقاً من شهادات مصادر عليمة بالملف، عايشت مرحلته الأولى وتابعت عن قرب المعركة التي خاضتها جمعية أزير خلال تسعينيات القرن الماضي من أجل وقف ما كان يجري من نهب للمرجان وتدمير للبيئة البحرية. ومن حق الرأي العام اليوم أن يعرف خلفيات هذا الملف، وأن يطرح الأسئلة الضرورية حول الترخيص الجديد، والجهات المستفيدة منه، والمناطق التي يشملها، ومدى احترامه للمعايير البيئية والقانونية. فالثروة البحرية ليست إرثاً شخصياً لأحد، ولا صندوقاً مفتوحاً لمن وصل أولاً، ولا «غنيمة» تنتظر صاحب الحظ السعيد، بل ملك للأجيال القادمة.

ومن بين الأسئلة التي تفرض نفسها اليوم وضعية التمثيلية المهنية داخل القطاع. فرئيس الغرفة المتوسطية بالشمال، منير الدراز، هو نفسه رئيس جمعية أرباب مراكب الجر ومراكب الصيد البحري، بعد أن كانت الجمعيتان منفصلتين، وهو وضع يفتح، على الأقل، باباً مشروعاً للنقاش حول استقلالية التمثيلية المهنية وحدود تداخل الأدوار. كما أن طريقة توزيع الدعوات على أرباب المراكب لحضور معرض أليوتيس بأكادير تطرح سؤالاً حول الأولويات، خصوصاً أن المعرض يقدم نفسه باعتباره موعداً مهنياً وعلمياً يركز على البحث والابتكار من أجل صيد بحري مستدام. لكن السؤال البسيط، وربما «المزعج»، الذي يبدو أن أحداً لا يتحمس للإجابة عنه هو: ما الذي عاد فعلياً على قطاع الصيد بالحسيمة من كل تلك المشاركات؟

فالمشاكل، للأسف، لم تختفِ بالصور التذكارية، ولا بالموائد، ولا برحلات المعارض. أزمة ( النيݣرو ) ما تزال حاضرة، وعدد من بواخر السردين غادر الميناء نحو موانئ المحيط، بعدما كانت الحسيمة تحتل مراتب متقدمة وطنياً في هذا المجال. والمفارقة التي تصلح وحدها عنواناً لمرحلة كاملة أن ميناءً كان ينتج السردين أصبح ينتظر سمك العبور! أما بعض المشاركات في المناسبات، فتبدو أحياناً وكأنها برنامج سياحي مهني: صورة مع هذه الشخصية، وأخرى مع تلك، مائدة للأكل والشرب بنظام الخدمة الذاتية، ثم العودة إلى مواقع التواصل الاجتماعي لتوثيق “الإنجاز التاريخي”. وكأن أزمة الصيد يمكن علاجها بكاميرا الهاتف، وكأن السمك سيعود إلى الميناء بمجرد أن يرى الصور.

وحسب المهتمين بالقطاع، فإن الأمر لا يقتصر على معرض «أليوتيس»، بل يمتد إلى مناسبات أخرى، من بينها أنشطة تقام في طنجة، يستفيد منها المقربون، وهو ما يطرح سؤالاً لا يحتاج إلى مؤتمر دولي للإجابة عنه: هل أصبحت بعض هذه الأنشطة فعلاً لخدمة القطاع، أم تحولت إلى وسيلة لإرضاء البعض وتدجين الأصوات المنتقدة؟ لأن القطاع الذي يعاني من تراجع الموارد ومشاكل الميناء يحتاج إلى حلول وقرارات ومرافعة حقيقية، وليس إلى توزيع الدعوات ثم توزيع الصور. أما إذا كان معيار النجاح هو عدد الصور المنشورة، فمن المؤكد أن القطاع يعيش «نهضة» غير مسبوقة، على الأقل في ألبومات الهواتف وصفحات التواصل الاجتماعي.

أما على مستوى جمعيات القطاع، فإن الصورة التي تصل وتُطرح في النقاش العمومي، وفي حدود الانطباعات المتداولة، هي أن بعض المسؤولين المهنيين أصبحوا قريبين جداً من رئيس الغرفة، إلى درجة تجعل استقلالية القرار المهني محل تساؤل. فرئيس جمعية الصيد التقليدي، بحسب ما يروج في أوساط المهنيين، أصبح شديد الارتباط برئيس الغرفة، بعد أن تسلم المسؤولية من عمي الحسين، الذي كان من الأصوات المعروفة بالدفاع عن القطاع. كما أن رئيس جمعية التجار أصبح، وفق ما يتردد بين المهنيين، من أكثر المدافعين عن رئيس الغرفة، فيما كانت الساحة المهنية تعرف في السابق أصواتاً أكثر صراحة في مواجهة بعض الملفات، من بينها فريد مانكو، الذي كان أكثر وضوحاً في التعبير عن مواقفه. أما الرئيس الحالي، الذي لم يمض وقت طويل على تحمله المسؤولية، فيُنظر إليه من طرف المنتقدين باعتباره أقرب إلى خطاب المجاملة منه إلى خطاب المساءلة. وأما جمعية البحارة، فيبدو أن الهدوء يخيم على خطابها، وهو ما يطرح سؤالاً ساخراً في بساطته: هل أصبح الصمت هو أيضاً مهنة بحرية تحتاج إلى بطاقة مهنية؟

وتطرح هذه الأسئلة لأن النقاش حول الثروة البحرية لا يمكن أن يكون ديمقراطياً إذا كانت الهيئات المهنية عاجزة عن التعبير بحرية وجرأة عن مواقفها. فالمهنيون لا يحتاجون إلى من يتحدث باسمهم فقط عندما تكون الكاميرات حاضرة، بل يحتاجون إلى من يرفع صوته عندما تكون مصالحهم مهددة، ومن يطرح الأسئلة الصعبة عندما يتعلق الأمر بالثروة البحرية ومصير الموانئ ومستقبل الصيد. التمثيلية المهنية ليست بطاقة لحضور المعارض، ولا مقعداً في الصفوف الأمامية، ولا صورة جماعية مع المسؤولين. التمثيلية الحقيقية هي أن تقول «لا» عندما يجب أن تقول «لا»، وأن تسأل «لماذا؟» عندما يحاول البعض تمرير الأمور في صمت. أما إذا انتهى دور الجمعية عند التصفيق والتقاط الصور، فربما أصبح من الضروري إعادة تعريف كلمة «تمثيلية» قبل أن نعيد تعريف مستقبل القطاع.

وهنا تكمن النقطة الأكثر أهمية في هذا الملف: أين توجد بالضبط المنطقة المرخصة لاستخراج المرجان؟ فحسب معطيات قانونية وتقنية مرتبطة بإحداثيات المنطقة المرخصة، فإن الأمر يحتاج إلى تدقيق واضح ونشر للمعطيات أمام الرأي العام. فالإحداثيات ليست لعبة أرقام على ورقة، وليست تفصيلاً يمكن دفنه في ملف إداري، بل هي التي تحدد ما إذا كان الاستغلال يجري داخل مجال محمي أو خارجه، وما إذا كان الترخيص منسجماً مع المقتضيات القانونية والبيئية أم لا. وفي السابق، كانت وضعية المنتزه الوطني مرتبطة بقطاع المياه والغابات، وكانت المعارك التي خاضتها جمعية أزير في تسعينيات القرن الماضي تجري في سياق مؤسساتي مختلف. أما اليوم، فقد أصبحت هناك ترتيبات مؤسساتية جديدة مرتبطة بقطاع الفلاحة والصيد البحري، وهو ما يجعل طبيعة المنطقة المرخصة وموقعها الجغرافي مسألة حاسمة لا تحتمل الغموض ولا «الاجتهادات» الإدارية.

وهنا يطرح احتمالان استناداً إلى الوثائق الرسمية والإحداثيات الدقيقة. الاحتمال الأول: إذا كانت المنطقة المرخصة تقع فعلاً داخل المجال المحمي للمنتزه الوطني أو تتعارض مع مقتضيات حمايته، فإن الأمر يستوجب تدقيقاً قانونياً وبيئياً صارماً، وقد تتحول المعركة حول الترخيص إلى معركة حقيقية لحماية ما تبقى من المرجان. والاحتمال الثاني: أن تكون المنطقة قد حُددت بإحداثيات دقيقة تجعلها خارج المجال الذي يشمله المنع القانوني المرتبط بالمنتزه الوطني، وفي هذه الحالة قد يكون الترخيص، من الناحية القانونية، أقوى مما يعتقد البعض. لكن حتى هذا الاحتمال لا يمنح أحداً شيكاً على بياض، لأن السؤال البيئي مستقل عن السؤال الإداري: هل يمكن استخراج المرجان من تلك المنطقة دون الإضرار بالتوازن البحري؟ وما الضمانات العلمية التي تثبت ذلك؟ أم أن عبارة «الترخيص قانوني» ستتحول مرة أخرى إلى عصا سحرية تُسكت كل سؤال وتغلق كل نقاش؟

والمطلوب ببساطة هو نشر الإحداثيات والوثائق القانونية والدراسات البيئية التي بُني عليها الترخيص، حتى يتمكن المختصون والرأي العام من الحكم عليها. فإذا كانت الأمور سليمة، فلا شيء يمنع من كشف الوثائق والدراسات. وإذا كانت هناك ملاحظات أو اختلالات، فالنقاش العمومي هو الطريق الطبيعي لتصحيحها. أما إبقاء الملف في منطقة رمادية، حيث تتكاثر الأسئلة وتختفي الأجوبة، فذلك لن يؤدي إلا إلى زيادة الشكوك. الشفافية هنا ليست ترفاً، وليست خدمة للمعارضة أو للإعلام، بل هي الحد الأدنى المطلوب عندما يتعلق الأمر بثروة طبيعية لا يملكها شخص ولا جمعية ولا مسؤول. أما أن يُطلب من الناس أن يثقوا في ملف لا يرون وثائقه، فذلك يشبه مطالبة الصياد بأن يرمي شباكه في البحر ثم يُطلب منه أن يثق بأن السمك سيظهر لاحقاً.

وتقول المصادر بوضوح إن القضية ليست صراعاً مع شخص أو جمعية أو شركة، وإنما السؤال الحقيقي هو: ماذا تبقى من الثروة البحرية في الحسيمة؟ لقد فقدت المنطقة جزءاً مهماً من ثروتها السمكية، وتراجع إنتاج السردين، وهناك مخاوف حقيقية من استمرار استنزاف أنواع أخرى من الأسماك، في ظل الصيد الجائر والصيد الساحلي غير المنظم وممارسات أخرى سبق أن أثرت على التوازن البحري وانتقدتها فعاليات مهنية وبيئية، ومنها صيد القوبيان «الشانݣيتي». وإذا كان البحر قد تعرض لكل هذه الضغوط، فإن فتح الباب أمام استغلال المرجان يجب أن يخضع لأقصى درجات الحذر، لأننا لا نتحدث عن مورد يمكن تعويضه بسهولة. والمرجان ليس حجراً في قاع البحر يمكن اقتلاعه متى شئنا، ولا “غنيمة” لمن يملك مفتاح الترخيص، بل جزء من منظومة بيئية بحرية حساسة وبطيئة النمو.

وما يثير الاستغراب أكثر هو الصمت الذي يحيط بهذا الملف. أين المنتخبون؟ أين المهنيون؟ أين الباحثون والخبراء؟ وأين الأصوات التي يفترض أن تدافع عن الثروة البحرية للمنطقة؟ أين الجمعيات البيئية التي ترفع عادة شعارات حماية البيئة؟ ولماذا لا نسمع اليوم نقاشاً عمومياً واسعاً حول ملف بهذه الحساسية؟ إن صمت الجميع أمام أي عملية قد تؤثر في ما تبقى من المرجان والثروة البحرية ليس موقفاً محايداً، لأن البيئة لا تنتمي إلى حزب، ولا إلى جمعية، ولا إلى شخص. إنها ملك للأجيال القادمة. ومن يملك اليوم القدرة على طرح الأسئلة ثم يختار الصمت، لا يمكنه غداً أن يتظاهر بالدهشة إذا اكتشف الجميع أن البحر أصبح فارغاً، ثم يبدأ البحث عن «أسباب مجهولة» لتفسير الكارثة.

الفعاليات المهنية والمجتمع المدني والسلطات مطالبة اليوم بفتح هذا الملف بكل هدوء ومسؤولية، بعيداً عن المجاملات والصمت، وبعيداً أيضاً عن منطق “لا تسأل، فالأمور تحت السيطرة”. المطلوب أن توضع أمام الرأي العام رخصة الاستغلال، والإحداثيات الدقيقة للمنطقة، والدراسة البيئية، والشروط التقنية للاستغلال، والجهات المستفيدة، وآليات المراقبة والتتبع. بعد ذلك يمكن للخبراء والقانونيين والمهنيين والمهتمين بالبيئة أن يقولوا كلمتهم. فإذا كان الترخيص سليماً، فليظهر ذلك للناس، وإذا كانت هناك ثغرات أو مخاطر، فليتم تصحيحها قبل أن يصبح الإصلاح مستحيلاً. أما أن يُطلب من الجميع الصمت بحجة أن الملف «قانوني»، فهذه ليست شفافية، بل مطالبة بثقة عمياء. والقانون، لمن نسي، لا يخاف من الوثائق؛ الذي يخاف منها عادة هو من لا يريد أن يقرأها.

وحسب المصادر التي عايشت المرحلة الأولى من معركة المرجان، فإن ثمن السكوت عن الاستنزاف في الماضي كان باهظاً. ولهذا يعود هذا الملف اليوم، لأن التاريخ يعيد طرح السؤال نفسه بأشكال مختلفة. ويقول أحد المهتمين لـ “كواليس الريف” : (هذه ليست معركة شخصية، بل شهادة الغيورين على المنطقة ودفاع عن ما تبقى من ثروة بحرية للحسيمة .

وإذا استمر استنزافها اليوم دون رقابة علمية وبيئية حقيقية، فإن التاريخ لن يسأل فقط: من استخرج المرجان؟ بل سيسأل أيضاً: من منح الترخيص؟ من راقب؟ من استفاد؟ ومن كان يعلم؟ ومن كان يستطيع أن يتكلم؟ والأخطر من ذلك كله: من اختار الصمت، ثم اكتشف متأخراً أن البحر لم يعد يملك ما يمنحه؟

19/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts