من العقار إلى “بيوت القرآن” … وثائق ومعطيات تفرض التحقيق في مسار الأموال ومن يملك مفاتيح الشبكة
تتخذ قضية جمعية أزهار السكنية منحى أكثر خطورة كلما
اتسعت دائرة التفاصيل والوثائق المرتبطة بها، إذ لم يعد الأمر يتعلق فقط بخلاف حول هوية الرئيس أو بتغييرات طرأت على تركيبة المكتب، وإنما أصبح يفرض طرح سؤال أوسع حول طبيعة الشبكة التي كانت تتحرك من خلالها الأموال، والأشخاص الذين كانوا يتولون الأدوار المختلفة داخلها، والواجهات الجمعوية والعقارية والدينية التي كان يمكن، بحسب الفرضية التي تستوجب التحقيق، أن تستعمل لتسهيل تحويل الأموال أو إخفاء المستفيد الحقيقي منها.
فالوثائق المتوفرة تشير إلى أن خالد إدريسي ظل يظهر منذ سنة 2022 بصفته رئيساً للجمعية، وأن توقيعه تكرر على عدد من الإشهادات والالتزامات التي تسلمها مئات المنخرطين، قبل أن تظهر لاحقاً أسماء أخرى في واجهة الجمعية، الأمر الذي يفرض التحقق من تاريخ كل تغيير ومن الجهة التي كانت تملك فعلياً سلطة اتخاذ القرار والتوقيع والتصرف في الأموال. وتزداد خطورة الفرضية المطروحة بالنظر إلى شبكة الأشخاص المحيطين بالمقاول المثير للجدل صلاح الدين المومني، إذ تشير المعطيات الحصرية التي تحصلت عليها جريدة “كواليس الريف” أن عدداً من سكرتيراته أو العاملين في محيطه يتوفرون على إقامات في إسبانيا، وهي مسألة ذات أهمية بالنسبة للتحقيق المالي و التحويلات العابرة للحدود و التي تربط هؤلاء الأشخاص بالجمعيات و الشركات و الأشخاص محل البحث.
وفي هذا السياق يبرز اسم سعاد اصغير، التي تثار بشأنها معطيات تتحدث عن مرور مبالغ مالية ضخمة عبر حسابها البنكي، بل وعن مليارات، وهي معطيات تؤكدها الكشوفات البنكية اسفله، و تكمن خطورتها في أن الحساب الشخصي لا يمكن أن يتحول إلى محطة لمرور أموال ضخمة دون أن يطرح السؤال عن طبيعة العمليات ومصدر الأموال والجهة الآمرة بالتحويل والجهة المستفيدة في نهايته. والأمر نفسه ينطبق على بقية الأشخاص العاملين في محيط المومني: فهل كان الموظفون يؤدون مهاماً إدارية عادية، أم أن بعضهم كان يؤدي دوراً في استقبال الأموال وتحويلها وإعادة توزيعها؟ مع وجود حسابات أخرى في المغرب وإسبانيا استُعملت في العمليات نفسها … وهل كانت الأموال تمر عبر أشخاص متعددين قبل أن تصل إلى المستفيد النهائي؟ هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بالتصريحات، وإنما تحتاج إلى رفع السرية البنكية وفق المساطر القانونية، وفحص التحويلات، ومقارنة التواريخ والمبالغ والمستفيدين، وربطها بالعقود والمشاريع التي قيل إن الأموال خصصت لتمويلها. وتزداد الحاجة إلى هذا التدقيق عندما يتعلق الأمر بالعمل الديني والخيري، وبالأخص ما يثار حول بناء بيوت للقرآن وتمويل عمليات لفائدة دول أو مناطق فقيرة، و السؤال القانوني هو ما إذا كانت الأموال التي تدخل تحت هذا الغطاء تصل فعلاً إلى الجهات والمشاريع المعلن عنها، أم أن بعض هذه الهياكل يمكن أن تكون قد استُعملت،
كواجهة لإضفاء طابع مشروع على أموال ذات مصدر أو وجهة مختلفة. فإذا أظهرت الحسابات أن أموالاً تدخل باسم أعمال خيرية ثم تنتقل إلى حسابات شخصية أو إلى أشخاص مرتبطين بالمجموعة نفسها، أو تعود إلى عقارات وشركات ومشاريع لا علاقة لها بالغرض المعلن، فإن الأمر يستوجب حينها فحصه في ضوء القواعد المتعلقة بتبييض الأموال وإخفاء المستفيد الحقيقي. ومن هنا يصبح الربط بين جمعية أزهار، والمشاريع العقارية، والأشخاص المحيطين بصلاح الدين المومني، والحسابات البنكية، والمشاريع الدينية والخيرية، مسألة لا يجوز حسمها إعلامياً، لكنها أيضاً ليست مسألة يمكن تجاهلها إذا كانت الوثائق المالية تؤيد وجود نمط متكرر. فالتحقيق الحقيقي يجب أن يتتبع أثر المال من بدايته إلى نهايته: من دفع؟ إلى أي حساب؟ باسم من؟ لماذا؟ من سحب؟ إلى أين انتقلت الأموال بعد ذلك؟ ومن استفاد منها في النهاية؟ كما ينبغي تحديد ما إذا كانت العقارات والمشاريع التي أثارت شكوك المنخرطين، ومن بينها العقار المعروف باسم أرض مكروم وما يثار بشأن وضعيته من نزاعات أو حجوزات، قد استُعملت فعلاً في عمليات مالية غير عادية أم أن الأمر يتعلق فقط بخلافات عقارية مستقلة. وفي النهاية، فإن القضية لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة إعلامية للأشخاص، وإنما إلى مطالبة واضحة بتحقيق مالي وقضائي يكشف الحقيقة: فإذا كانت هذه المعطيات مجرد اتهامات بلا أساس، فالكشوف البنكية والوثائق الرسمية كفيلة بإسقاطها، أما إذا كشفت الخبرة عن تحويلات ضخمة ومتكررة، وحسابات شخصية تستقبل أموالاً لا تتناسب مع نشاط أصحابها، وتحويلات عابرة للحدود، وتداخل بين العمل الجمعوي والعقاري والديني، وأشخاص تتكرر أسماؤهم في مختلف الحلقات، فإن الأمر لن يعود مجرد فضيحة داخل جمعية، بل سيصبح سؤالاً حول احتمال وجود منظومة منظمة لإخفاء حركة الأموال والمستفيد الحقيقي منها.
وفي هذه الحالة، فإن السؤال المركزي الذي ينبغي أن تطرحه النيابة العامة ليس فقط: من هو الرئيس الحقيقي لجمعية أزهار؟ وإنما: من كان يملك القرار الحقيقي، ومن كان يحرك الأموال، ومن كانت حساباته تستقبلها، ومن كان يعيد توزيعها، ومن كان يوفر الواجهات التي تسمح لهذه الأموال بالتحرك بعيداً عن أعين المنخرطين والجهات الرقابية؟ فالوثائق هي التي يجب أن تتكلم، والحسابات هي التي تستطيع أن تكشف الحقيقة، وما بين التوقيع والتحويل والمستفيد النهائي قد يكون الخيط الذي يكشف، حقيقة المنظومة بأكملها.
وفي هذه الحالة، فإن السؤال المركزي الذي ينبغي أن تطرحه النيابة العامة ليس فقط: من هو الرئيس الحقيقي لجمعية أزهار؟ وإنما: من كان يملك القرار الحقيقي، ومن كان يحرك الأموال، ومن كانت حساباته تستقبلها، ومن كان يعيد توزيعها، ومن كان يوفر الواجهات التي تسمح لهذه الأموال بالتحرك بعيداً عن أعين المنخرطين والجهات الرقابية؟ فالوثائق هي التي يجب أن تتكلم، والحسابات هي التي تستطيع أن تكشف الحقيقة، وما بين التوقيع والتحويل والمستفيد النهائي قد يكون الخيط الذي يكشف، حقيقة المنظومة بأكملها.
