kawalisrif@hotmail.com

إسبانيا تفتح دفتر العقوبات ضد المغرب وتشهر “سلاح الغاز” … ثم تمسح السبورة وتقول : المغرب شريك موثوق” !.. مدريد تخاف من قطع الخيط قبل أن تقطعه الرباط

إسبانيا تفتح دفتر العقوبات ضد المغرب وتشهر “سلاح الغاز” … ثم تمسح السبورة وتقول : المغرب شريك موثوق” !.. مدريد تخاف من قطع الخيط قبل أن تقطعه الرباط

في مقال نشرته صحيفة إسبانية معادية للمغرب، حاولت بعض الأوساط السياسية والإعلامية في مدريد إعادة تدوير خطاب الضغط على المملكة، عبر الحديث عن الطاقة والهجرة والصحراء المغربية وسبتة ومليلية المحتلتين، وكأن المغرب أصبح ورقة سهلة للابتزاز. لكن المفارقة الصارخة أن الحكومة الإسبانية نفسها سارعت إلى نفي وجود أي خطة لمعاقبة المغرب عبر قطع إمدادات الطاقة، لتسقط بذلك واحدة من أكثر الأفكار استفزازاً التي طفت على سطح المشهد السياسي والإعلامي الإسباني خلال الأيام الأخيرة.

المقال استند إلى رواية تقول إن المغرب لا يزال يُعتبر من طرف حكومة بيدرو سانشيز «شريكاً موثوقاً»، رغم اتهامات إسبانية للمغرب بتخفيف الإجراءات الأمنية على الحدود، وهو ما ربطته الصحيفة بدخول نحو 80 ألف مهاجر إلى سبتة المحتلة خلال اليومين الأخيرين من يوليوز. غير أن هذه الرواية، وهي رواية الصحيفة ومصادرها، تتجاهل حقيقة أساسية: ملف الهجرة ليس مجرد ورقة ضغط مغربية كما تحاول بعض الأصوات في مدريد تصويره، بل هو ملف معقد تتحمل فيه إسبانيا أيضاً مسؤولية خياراتها القانونية والسياسية والأمنية.

وتذهب الصحيفة أبعد من ذلك حين تنقل عن خبراء ودبلوماسيين حديثاً عن “حرب هجينة” يُتهم المغرب بشنها من خلال دفع آلاف الأشخاص نحو الحدود لإحداث أزمة إنسانية والضغط على القرار السياسي الإسباني. وهي فرضية خطيرة تطرحها الصحيفة، لكن الحكومة الإسبانية نفسها ترفضها. وهنا يظهر التناقض بوضوح: مدريد تريد في الوقت نفسه اعتبار المغرب شريكاً موثوقاً في مكافحة الهجرة، ثم تسمح لخبراء ومحللين بإعادة تقديمه باعتباره طرفاً يستخدم الهجرة كسلاح سياسي.

والأكثر دلالة أن المقال يستحضر أزمة ماي 2021، حين استقبلت إسبانيا المدعو إبراهيم غالي، زعيم ما يسمى جبهة البوليساريو، في مستشفى بإسبانيا، قبل أن تتحول تلك الخطوة إلى أزمة حادة مع المغرب. وبعد سنوات، يبدو أن بعض الإعلام الإسباني لا يزال يحاول قراءة العلاقات المغربية الإسبانية من زاوية الأزمة نفسها، متناسياً أن مدريد هي التي اختارت لاحقاً تصحيح المسار والانتقال من منطق الاستفزاز إلى منطق التعاون الاستراتيجي.

وفي خضم هذه الأزمة، زار سانشيز سبتة المحتلة يوم 31 يوليوز، في ذروة موجة الهجرة، لكنه تجنب توجيه انتقادات مباشرة للمغرب، بل شكر السلطات المغربية على «تعاونها» من أجل تنفيذ عمليات الإعادة في أسرع وقت ممكن. ووفق المعطيات التي أوردتها الصحيفة، غادر معظم المهاجرين المدينة المحتلة بشكل طوعي وعلى أقدامهم. وهذه الجزئية وحدها تكشف أن الواقع أكثر تعقيداً من الشعارات التي ترفعها بعض الأصوات الإسبانية التي تريد تحويل المغرب إلى شماعة جاهزة لكل أزمة تقع في جيب سبتة المحتلة.

المقال أشار كذلك إلى أن موجة الدخول الجماعي جاءت بعد أسابيع قليلة من حكم للمحكمة العليا الإسبانية رفض عمليات الإعادة الفورية للأشخاص الذين يصلون سباحة. وهذه معطيات تكشف أن جزءاً مهماً من الإشكال مرتبط أيضاً بالإطار القانوني الإسباني، وليس بالمغرب وحده. فحين تتغير قواعد التعامل مع الوافدين، ثم تتزايد الضغوط على مدينة تعتمد في جزء كبير من أمنها الحدودي على التعاون مع المغرب، يصبح من السهل جداً إطلاق الاتهامات، لكن من الصعب جداً إخفاء حقيقة الاعتماد المتبادل.

أما الحكاية الأكثر إثارة فهي قصة “خطة العقوبات الطاقية” التي سارعت حكومة مدريد إلى نفيها. فقد تحدث برنامج على التلفزيون العمومي الإسباني عن دراسة الحكومة خطة شاملة للطوارئ ضد المغرب، هدفها ردع الرباط في حال اندلاع أزمات هجرة جديدة، مع إعداد تقارير حول الكهرباء والغاز والمحروقات التي تصل إلى المغرب. لكن شركتي Red Eléctrica وEnagás نفتا بشكل قاطع إعداد مثل هذه التقارير، فيما أكدت مونكلوا أن الحل الذي تتبناه هو الطريق الدبلوماسي، لا العقاب الاقتصادي.

وهنا تكمن المفارقة التي تكشف حجم الورطة الإسبانية: كيف يمكن لبلد يتحدث عن معاقبة شريك استراتيجي بالطاقة أن يواصل في الوقت نفسه توسيع البنية التحتية الطاقية المشتركة معه؟ وكيف يمكن لمدريد أن تلوّح بورقة الكهرباء والغاز، بينما هي نفسها تستفيد من السوق المغربية ومن موقع المملكة الاستراتيجي في المنطقة؟ يبدو أن بعض السياسيين الإسبان ما زالوا يعيشون بعقلية «العقوبات» القديمة، بينما الاقتصاد والجغرافيا والمصالح المشتركة تجاوزت هذه العقلية منذ سنوات.

الصحيفة ذكرت أن المغرب يعتمد بشكل كبير على البنية التحتية الإسبانية في مجال الغاز والكهرباء، وأن نحو 90 في المائة من الغاز الذي يستورده المغرب يأتي من إسبانيا أو يعاد تغويزه عبر منشآت إسبانية. كما أشارت إلى خط أنابيب المغرب العربي والربط الكهربائي البحري الذي يعبر مضيق جبل طارق، والذي تتقاسمه شركة Red Eléctrica الإسبانية والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب المغربي. ويبلغ طول الكابلات الكهربائية نحو 29 كيلومتراً، على عمق يتجاوز مائة متر، وتنقل ما يقارب 20 في المائة من الكهرباء التي يستهلكها المغرب، خصوصاً في قطاعه الصناعي.

لكن تقديم هذه المعطيات على أنها «نقطة ضعف مغربية» هو قراءة قصيرة النظر. فالمغرب، الذي جعل من تنويع مصادر الطاقة وتطوير الطاقات المتجددة والاستثمار في البنية التحتية وتعزيز موقعه كمركز اقتصادي وصناعي إفريقي مشروعاً استراتيجياً، لا يمكن اختزاله في كابل كهربائي أو أنبوب غاز. بل إن اعتماد البلدين على شبكات مشتركة يكشف أن العلاقة ليست علاقة طرف قوي بطرف ضعيف، وإنما علاقة مصالح متبادلة يمكن أن تتحول فيها البنية التحتية المشتركة إلى جسر للتعاون بدل أن تكون أداة للابتزاز.

والأغرب أن المقال نفسه يعترف بأن العلاقات الطاقية بين البلدين تعززت خلال السنوات الأخيرة، وأن المغرب أصبح ثاني أكبر زبون للغاز الإسباني، متجاوزاً إيطاليا والبرتغال، ولا يسبقه سوى فرنسا. بل إن صادرات الغاز الإسبانية نحو المغرب لم تكن موجودة تقريباً قبل منتصف 2022، قبل أن يتم استخدام خط أنابيب المغرب الكبير في الاتجاه العكسي لضخ الغاز نحو المملكة. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المغرب مجرد طرف ضعيف يمكن تهديده بسهولة، فلماذا تحوّل إلى أحد أكبر زبائن الغاز الإسباني؟

بل إن مدريد نفسها تدرس إنشاء كابل كهربائي جديد بين إسبانيا والمغرب، في إطار خطة استثمار تبلغ 13 مليار يورو لتطوير الشبكة الكهربائية. المشروع ليس جديداً، فقد كان مدرجاً في التخطيط السابق للفترة 2021-2026، لكن كلفة البنية التحتية تضاعفت من 216 مليوناً إلى 400 مليون يورو. وهذه الأرقام تقول شيئاً واضحاً: الدولة التي تفكر في توسيع الربط الكهربائي مع المغرب لا تتصرف فعلياً كما لو أنها تستعد لخوض حرب طاقة معه.

أما الصحراء المغربية، فقد حاول المقال إعادة فتح الملف بالطريقة التقليدية نفسها، بالإشارة إلى التحول التاريخي في موقف إسبانيا في مارس 2022، عندما اعتبرت حكومة سانشيز المبادرة المغربية للحكم الذاتي «الأساس الأكثر جدية وواقعية» لتسوية النزاع. وتنتقد الصحيفة كون القرار لم يُعرض، وفق روايتها، على البرلمان أو مجلس الوزراء قبل إعلانه. لكن مهما كان الجدل السياسي الداخلي في إسبانيا حول طريقة اتخاذ القرار، فإن جوهر الموقف الإسباني أصبح واقعاً دبلوماسياً معروفاً، وهو أن الرباط نجحت في نقل مقترح الحكم الذاتي من خانة المبادرة المغربية إلى خانة الحل الواقعي الذي تتعامل معه قوى دولية وازنة.

واللافت أن المقال يحاول ربط التحول الإسباني بملف برنامج «بيغاسوس»، وباجتماعات عقدتها وفود إسبانية مع مسؤولين مغاربة، قبل أن يستحضر قطع الجارة الشرقية علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب في غشت 2021. وكأن العلاقات الدولية تُدار بمنطق المؤامرة فقط. والحقيقة أن المغرب لم يحتج إلى إكراه إسبانيا على تغيير موقفها، بقدر ما استطاع أن يفرض على مدريد إعادة تقييم مصالحها الاستراتيجية وفق موازين جديدة في المنطقة.

ويصل المقال في نهايته إلى ملف سبتة ومليلية المحتلتين، متحدثاً عن تقارير يزعم محلل في الاستخبارات والأمن السيبراني، فرناندو كوتشو، أنها تتعلق بإمكانية قيام “سيادة مشتركة” على المدينتين سنة 2030، وهو ما تنفيه الحكومة الإسبانية. وهنا أيضاً تبرز المفارقة: فمجرد ظهور هذا السيناريو في النقاش الإسباني يكشف أن مستقبل المدينتين لم يعد موضوعاً يمكن دفنه تحت شعار «الوضع القائم» إلى الأبد، وأن التحولات الجيوسياسية في غرب المتوسط وشمال إفريقيا تفرض على مدريد التفكير في المستقبل، لا الاحتماء بالماضي.

المغرب، من جهته، لم يحتج إلى إعلان حرب دبلوماسية كي يثبت موقعه. يكفي أن ننظر إلى حجم المصالح الاقتصادية والأمنية والهجرة والطاقة والتجارة التي تجمع البلدين، لندرك أن إسبانيا لا تستطيع ببساطة أن تضغط على الرباط من دون أن تدفع هي أيضاً فاتورة الضغط. فالمعادلة تغيرت، والمغرب لم يعد ذلك الجار الذي ينتظر ما تقرره العواصم الأوروبية، بل أصبح فاعلاً إقليمياً يفاوض من موقع مصالحه، ويعرف جيداً قيمة موقعه الجغرافي ودوره في أمن المتوسط وأوروبا وإفريقيا.

أما منطق العقوبات الطاقية الذي راج في الإعلام الإسباني، فقد سقط سريعاً أمام أول اختبار. الحكومة نفت، والشركات نفت، والمصالح المشتركة تقول العكس. وفي النهاية، وجدت مدريد نفسها مضطرة إلى التأكيد أن المغرب «حليف» وأن معاقبته ليست مطروحة. إنها ليست مجاملة دبلوماسية، بل اعتراف صريح بأن زمن استخدام الطاقة كسلاح سياسي ضد المغرب ليس بالبساطة التي يتخيلها بعض السياسيين والإعلاميين في إسبانيا.

والخلاصة أن المقال الإسباني، رغم محاولته تقديم المغرب باعتباره مصدر ( تهديد محتمل ) ، كشف من حيث لا يريد حجم الاعتماد الإسباني على المملكة. كشف أن المغرب شريك في الطاقة، وشريك في مكافحة الهجرة، وشريك اقتصادي، وشريك أمني، وأن أي محاولة لتحويل هذه الشراكة إلى لعبة ابتزاز قد ترتد على أصحابها قبل أن تصل إلى الرباط. وبينما يصر بعض الأصوات في مدريد على النظر إلى المغرب بعين الماضي، تواصل المملكة بناء موقعها في الحاضر والاستعداد للمستقبل، تاركةً لمن يريد التهديد بالكابلات والغاز مهمة اكتشاف أن العلاقات الدولية لا تُدار بالصراخ، بل بموازين القوة والمصالح والبدائل.

19/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts