kawalisrif@hotmail.com

إسبانيا :    الأندلس تغرق في الحشيش … 77 في المائة من محجوزات البلاد تكشف كابوساً أمنياً متفاقماً وسيطرة المافيا

إسبانيا : الأندلس تغرق في الحشيش … 77 في المائة من محجوزات البلاد تكشف كابوساً أمنياً متفاقماً وسيطرة المافيا

كشفت معطيات رسمية إسبانية عن حجم صادم لتجارة المخدرات في الأندلس، بعدما أظهرت إحصائيات سنة 2025 أن المنطقة استحوذت على نحو 77 في المائة من إجمالي الحشيش المحجوز في إسبانيا، في رقم يعيد إلى الواجهة سؤالاً أكثر إحراجاً من مجرد حجم المحجوزات: كيف تحولت هذه المنطقة إلى واحدة من أبرز ساحات المواجهة مع شبكات الاتجار بالمخدرات، رغم كل الخطط الأمنية والعمليات المعلنة؟

ووفق المعطيات الواردة في الإحصائية السنوية للمخدرات التي أعدها مركز الاستخبارات ضد الإرهاب والجريمة المنظمة، جرى حجز أكثر من 198 طناً من الحشيش في الأندلس خلال سنة 2025، مقابل 143 طناً في سنة 2024. والأخطر أن إجمالي المحجوزات في إسبانيا بلغ نحو 257 طناً، ما يعني أن الأندلس وحدها استحوذت على النصيب الأكبر من هذه الكميات الضخمة.

ولا تتوقف الصورة القاتمة عند الحشيش، إذ كشفت الأرقام أن الأندلس استحوذت أيضاً على 33 في المائة من إجمالي الكوكايين المحجوز في إسبانيا، بنحو 25 طناً خلال السنة نفسها. ورغم تسجيل تراجع مقارنة بالسنة السابقة، فإن انخفاض الكميات المضبوطة لا يعني بالضرورة انحسار المخدرات في الشوارع، لأن تغيير طرق التهريب أو تحركات الشبكات الإجرامية يمكن أن يجعل الأرقام الأمنية أقل من الحجم الحقيقي للسوق.

أما القنب الهندي، فقد عرف بدوره تراجعاً حاداً في الكميات المحجوزة، إذ انخفضت من نحو 70 طناً سنة 2021 إلى أقل من عشرة أطنان سنة 2025. غير أن الأندلس ظلت تمثل أكثر من ربع إجمالي الكميات المحجوزة وطنياً، فيما عثرت السلطات خلال السنة الماضية على نحو 461 ألفاً و796 نبتة للقنب الهندي، أي أكثر من نصف النباتات التي جرى إحصاؤها في مختلف أنحاء إسبانيا.

والمفارقة الأكثر إثارة للانتباه أن تراجع الاعتقالات لم يواكبه بالضرورة تراجع في مؤشرات النشاط الإجرامي. فقد سجلت الأندلس قرابة خمسة آلاف عملية توقيف مرتبطة بالمخدرات خلال 2025، بانخفاض قدره 22 في المائة مقارنة بسنة 2024، بينما لم يتجاوز التراجع على المستوى الوطني 9 في المائة. ومع ذلك، ظلت المنطقة مسؤولة عن قرابة ربع الاعتقالات المسجلة في إسبانيا بسبب جرائم المخدرات.

وإذا كانت الأرقام الرسمية تكشف تراجعاً في بعض المؤشرات، فإن سوق المخدرات نفسها تبدو وكأنها تتغير وتتنوع بدل أن تختفي. فإلى جانب الحشيش والكوكايين والقنب الهندي، بدأت تظهر مواد أخرى في الإحصائيات الأمنية، من بينها الكيتامين والتوسي وإم دي إم إيه ومواد نفسية جديدة والميثامفيتامين وغيرها، بما يعكس توسعاً في أنماط الاستهلاك وتنوعاً متزايداً في المنتجات التي تتداولها الشبكات الإجرامية.

والأكثر إثارة للقلق أن هذه الأرقام تزامنت مع تحذيرات صادرة عن الجمعية الموحدة للحرس المدني الإسباني، التي تحدثت عن حالة من «الهجر والحماية غير الكافية» التي يعيشها عناصر الأمن العاملون في جنوب إسبانيا وعلى الحدود الجنوبية. وبحسب الجمعية، تواجه الدوريات اعتداءات متواصلة، بينها هجمات على زوارق الحرس المدني وعمليات صدم بواسطة زوارق تستخدمها شبكات تهريب المخدرات، إضافة إلى اعتداءات مباشرة على العناصر الأمنية.

وهنا تنكشف المفارقة الإسبانية بكل قسوتها: كميات هائلة من المخدرات تمر عبر مسارات معقدة، والشبكات الإجرامية تطور وسائلها باستمرار، بينما يتراجع عدد التوقيفات وتشتكي الأجهزة الأمنية من نقص الموارد البشرية والمادية. وكأن الحرب على المخدرات تُدار أحياناً بمنطق مطاردة الظل، في وقت تتحرك فيه الشبكات بسرعة أكبر من قدرة الأجهزة على ملاحقتها.

ولم تتردد الجمعية الموحدة للحرس المدني في المطالبة بإعادة تفعيل جهاز «أوكون سور»، إلى جانب إعلان منطقة النفوذ المرتبطة بتهريب المخدرات في الأندلس والحدود الجنوبية منطقة ذات خصوصية أمنية، فضلاً عن المطالبة بتشديد العقوبات المتعلقة بالاعتداء على رجال الأمن. وهي مطالب تكشف، قبل كل شيء، حجم الضغط الذي باتت تعانيه الأجهزة الأمنية في مواجهة شبكات لا تتردد في استخدام القوة لحماية مصالحها.

وبينما تتحدث السلطات الإسبانية عن زيادة الضغط الأمني، تطرح هذه الأرقام سؤالاً أكبر: هل تكفي المقاربة الأمنية وحدها أمام سوق تتكيف بسرعة مع الضربات وتغير طرقها وموادها ووسائلها؟ فالأرقام لا تحكي فقط قصة مخدرات محجوزة، بل تكشف أيضاً عن معركة طويلة الأمد بين أجهزة الدولة وشبكات إجرامية تملك المال والمرونة والقدرة على إعادة بناء خطوطها بعد كل ضربة.

الأندلس، التي تظهر في الخطاب الإسباني كثيراً كخط مواجهة مع تهريب المخدرات والهجرة غير النظامية، تجد نفسها أمام اختبار أمني ثقيل. فحين تستحوذ منطقة واحدة على نحو ثلاثة أرباع الحشيش المحجوز تقريباً في بلد بأكمله، يصبح من الصعب التعامل مع الظاهرة باعتبارها مجرد سلسلة من العمليات الأمنية المنفصلة. إنها مشكلة بنيوية تتقاطع فيها الجغرافيا والاقتصاد والجريمة المنظمة والحدود البحرية، وتحتاج إلى ما هو أبعد من بيانات الصحف وبلاغات المحجوزات.

وقد تبدو أرقام الحجز انتصاراً أمنياً في ظاهرها، لكنها تحمل في باطنها اعترافاً غير مريح: كلما ارتفعت الكميات التي تضبطها السلطات، بقي السؤال عن حجم ما لم تضبطه أكثر إلحاحاً. وبين 198 طناً من الحشيش وعشرات الأطنان من الكوكايين ومئات آلاف نباتات القنب، تبدو الأندلس أمام مرآة قاسية لحرب لم تنتهِ، بل ربما دخلت مرحلة أكثر تعقيداً، حيث لم يعد التحدي هو العثور على المخدرات فقط، وإنما تفكيك الشبكات التي تجعلها قادرة على العودة في كل مرة وكأن شيئاً لم يحدث.

20/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts