kawalisrif@hotmail.com

سبتة المحتلة :      مافيات الهجرة تفتح الطريق البحري نحو البر الإسباني مقابل 10 آلاف يورو

سبتة المحتلة : مافيات الهجرة تفتح الطريق البحري نحو البر الإسباني مقابل 10 آلاف يورو

تبدو أزمة الهجرة التي شهدتها سبتة المحتلة خلال الأسابيع الأخيرة وكأنها لم تنتهِ عند حدود المدينة، بل بدأت تأخذ مسارات جديدة نحو الضفة الأخرى من مضيق جبل طارق. فوفق ما أوردته صحيفة محلية، تستغل شبكات تهريب البشر الوضع لنقل مهاجرين من سبتة نحو شبه الجزيرة الإسبانية، مستعينة بالدراجات المائية والقوارب السريعة وقوارب الكاياك وألواح التجديف، في رحلات محفوفة بالمخاطر تحوّل المضيق إلى طريق جديد لشبكات الاتجار بالبشر.

المعطيات التي نقلتها الصحيفة تكشف عن نشاط متزايد لهذه الشبكات، إذ تمكن الحرس المدني الإسباني، خلال ما يزيد قليلاً على أسبوعين، من توقيف أكثر من 15 قائداً أو مهرباً، واعتراض أكثر من 30 مهاجراً أثناء محاولات العبور. وفي المقابل، تطالب الجمعية الموحدة للحرس المدني وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا بتعزيز الإمكانات البحرية والبرية والجوية، معتبرة أن تطور هذه العمليات يفرض رفع مستوى الاستنفار الأمني على الواجهة الجنوبية.

ولا تتردد شبكات التهريب، بحسب المصدر ذاته، في تحويل حاجة المهاجرين إلى تجارة مربحة، حيث تصل تكلفة المقعد الواحد على متن دراجة مائية إلى نحو 7 آلاف يورو، فيما يمكن أن ترتفع إلى 10 آلاف يورو على متن القوارب السريعة. وتتم العملية عبر مجموعات صغيرة تتولى توزيع الأدوار بين توفير الوقود، واستقطاب المهاجرين وإخفائهم، ثم قيادة القارب خلال مرحلة العبور، باستخدام وسائل بحرية تملكها الشبكات أو حصلت عليها بطرق غير قانونية.

وتشير المعطيات إلى أن المهربين يعمدون إلى إبقاء المهاجرين في مساكن قريبة من نقاط الانطلاق، أو استقطابهم مباشرة من أماكن تجمعهم، قبل تجهيزهم للرحلة. ويواصل جهاز الخدمة البحرية التابع للحرس المدني في سبتة مراقبة المضيق لمنع هذه العمليات، خصوصاً أن بعض الرحلات تنتهي بمواقف خطيرة عندما يحاول المهربون الفرار من المراقبة الأمنية، ما يدفع الركاب في بعض الحالات إلى القفز في البحر، وسط مخاطر حقيقية على سلامتهم.

ومن بين آخر العمليات التي وثقتها الجمعية، حادث وقع الاثنين الماضي، بعدما رصد عناصر الحرس المدني مجموعة تضم سبعة أو ثمانية أشخاص بالقرب من البحر، في محيط منحدرات لا سيرينا، وبحوزتهم حاويات للوقود. وبعد دقائق، انطلق قارب ترفيهي في اتجاه شبه الجزيرة، قبل أن يحاول قائده العودة بعدما اكتشف وجود عناصر الحرس المدني، لتنتهي العملية باعتراض شخصين يُشتبه في قيادتهما للقارب وسبعة مهاجرين، دون تسجيل إصابات خطيرة.

وعقب العملية، أشادت الجمعية الموحدة للحرس المدني بالعناصر التي شاركت في التدخل، لكنها استغلت الحادث لتجديد مطالبها بزيادة وسائل المراقبة والتدخل على الحدود الجنوبية، إلى جانب الاعتراف بطبيعة العمل الأمني في هذه المناطق باعتبارها مهنة محفوفة بالمخاطر. وتقول الجمعية إن اتساع نشاط شبكات التهريب يستدعي إمكانات أكبر لمواجهة ما تصفه بعمليات منظمة تستفيد من هشاشة الوضع وتحول المضيق إلى فضاء للربح غير المشروع.

وتضع هذه التطورات تصريحات وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا أمام اختبار جديد، بعدما أكد في 13 غشت الجاري أن الأشخاص الذين يدخلون بشكل غير نظامي إلى سبتة أو مليلية لن يصلوا إلى شبه الجزيرة الإسبانية ولن تتم تسوية أوضاعهم القانونية. غير أن الوقائع التي أوردها الحرس المدني، وفق الصحيفة، تظهر أن جزءاً من المهاجرين الموجودين في جيب سبتة بدأ بالفعل يبحث عن طرق بديلة للوصول إلى الأراضي الإسبانية، ما يطرح تساؤلات حول مدى قدرة السلطات على وقف هذه التحركات.

وتتزامن هذه التطورات مع استمرار تداعيات الدخول الجماعي الذي شهدته سبتة المحتلة يومي 30 و31 يوليوز، في وقت تعمل فيه الحكومة الإسبانية على خطة لنقل نحو 500 قاصر ما زالوا موجودين في المدينة السليبة. وبينما تحاول مدريد احتواء تداعيات الأزمة من خلال إجراءات أمنية وإدارية، تبدو شبكات التهريب وكأنها تستثمر في الفوضى وتعيد رسم طرقها بسرعة، ليصبح مضيق جبل طارق مجدداً مسرحاً لمواجهة بين أجهزة الأمن وشبكات لا ترى في الحدود سوى فرصة جديدة لجني ملايين اليوروهات من معاناة المهاجرين.

وفي نهاية المطاف، لا تبدو قصة سبتة المحتلة مجرد أزمة هجرة عابرة، بل مشهداً يتسع يوماً بعد آخر؛ فكلما أغلقت السلطات باباً، بحثت شبكات التهريب عن نافذة أخرى، وكلما شددت المراقبة على الحدود، أعادت المافيات رسم خريطة العبور.

وهكذا يتحول مضيق جبل طارق من حاجز جغرافي إلى ممر تجاري تضع شبكات الاتجار بالبشر له تسعيرة تصل إلى 10 آلاف يورو. وبين وعود مدريد بإحكام السيطرة ووقائع الميدان التي تكشف عن طرق جديدة للعبور، يبقى السؤال معلقاً فوق مياه المضيق: إلى متى ستظل هذه الشبكات أسرع من أجهزة الأمن في اكتشاف المسالك الجديدة؟ ففي الضفة الجنوبية تتراكم أحلام العابرين، وفي الضفة الشمالية تتراكم حسابات المهربين، وبينهما بحر لا يرحم، قد تتحول فيه رحلة البحث عن الفردوس الأوروبي إلى مأساة جديدة، بينما تواصل المافيات عدّ أرباحها فوق أمواج مضيق جبل طارق.

20/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts