تستعد مدينة سبتة المحتلة، خلال الأيام المقبلة، لدفن 76 جثماناً لمهاجرين لقوا حتفهم أثناء محاولتهم الوصول إليها سباحة من السواحل المغربية، في واحدة من أكثر فصول الهجرة مأساوية خلال الفترة الأخيرة.
وبحسب ما أوردته صحيفة «إيل باييس» الإسبانية، فإن الضحايا جرى انتشال جثامينهم من البحر يومي 30 و31 يوليوز الماضي، غير أن السلطات لم تتمكن، إلى حدود الآن، من تحديد هوياتهم، الأمر الذي دفعها إلى الشروع في ترتيبات دفنهم بعد استنفاد الإجراءات الطبية والقضائية اللازمة.
وتتولى نبيلة بنزينة، مستشارة الصحة والخدمات الاجتماعية بسبتة، الإشراف على الترتيبات الأخيرة المرتبطة بعملية الدفن، في وقت لم يعد فيه بالإمكان مواصلة الاحتفاظ بالجثامين داخل مستودع الأموات الذي جرى تجهيزه بشكل استعجالي بالمستشفى العسكري القديم.
ومن المنتظر، وفق المصدر ذاته، تخصيص مساحة داخل المقبرة الإسلامية «سيدي مبارك» لدفن الضحايا، على أن تتم العملية بشكل تدريجي وبحسب القدرة الاستيعابية والإمكانيات المتوفرة.
وتعود هذه المأساة إلى موجة اقتحام جماعي لسبتة، حاول خلالها عدد كبير من الأشخاص اجتياز البحر سباحة انطلاقاً من الجانب المغربي. وأسفرت العملية، وفق المعطيات التي نقلتها الصحيفة، عن وفاة 82 شخصاً، معظمهم قضوا غرقاً وسط حالة من التدافع والفوضى بين أشخاص لا يتقنون السباحة وآخرين حاولوا الوصول إلى الحاجز الحدودي.
وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن غالبية الضحايا رجال في سن متوسطة، إلى جانب امرأة واحدة. وتمكنت السلطات من تحديد هوية ستة أشخاص، بينما يجري استكمال الإجراءات المرتبطة بإعادة جثامينهم إلى المغرب.
أما بالنسبة إلى الجثامين التي ظلت مجهولة الهوية، فسيتم دفنها مع الاحتفاظ بملفات تعريفية دقيقة لكل حالة، تتضمن رقماً خاصاً ومعلومات حول مكان وتاريخ العثور على الجثمان، إضافة إلى الملابس والمتعلقات الشخصية والعلامات الجسدية التي قد تساعد مستقبلاً في تحديد الهوية.
ويأتي قرار الدفن أيضاً بسبب القيود المرتبطة بمدة حفظ الجثامين. فالتوجيهات الصحية الإسبانية تحدد فترة الاحتفاظ بالجثامين في التبريد أو التجميد، بينما المستودع الذي تم إحداثه بالمستشفى العسكري القديم لا يتوفر سوى على نظام تبريد تتراوح حرارته بين درجتين وخمس درجات مئوية، دون إمكانية الوصول إلى درجات التجمد.
وبذلك، أصبح استمرار الاحتفاظ بالجثامين لفترة أطول أمراً غير عملي، خصوصاً بعد استكمال التشريحات الجنائية، وهو ما دفع السلطات إلى اتخاذ القرارات الرسمية المتعلقة بالدفن.
ومن المفارقات الإنسانية المؤلمة أن تحديد هوية بعض الضحايا مستقبلاً لا يعني بالضرورة نقل رفاتهم إلى المغرب، إذ تشير التجارب السابقة في سبتة إلى أن عائلات عدد من المهاجرين المتوفين لا تتقدم لاحقاً بطلبات لاستعادة الرفات، ما يجعل المقابر المحلية آخر محطة لأشخاص غادروا المغرب بحثاً عن الوصول إلى الضفة الأخرى.
وسيتم احترام الطقوس الإسلامية خلال عملية الدفن، بما في ذلك غسل الجثامين وتكفينها، ثم مواراتها الثرى في اتجاه القبلة. وبذلك، ستتحول مقبرة «سيدي مبارك» إلى شاهد جديد على مأساة إنسانية خلفتها محاولة العبور إلى سبتة، بعدما انتهت رحلة عشرات الأشخاص في البحر قبل أن يبلغوا وجهتهم.
20/08/2026