شهدت جزيرة لانزاروتي الإسبانية، خلال الساعات الأولى من أمس الخميس، موجة جديدة من الهجرة غير النظامية، بعدما وصلت إلى سواحلها ثلاثة قوارب مطاطية قادمة من السواحل المغربية، وعلى متنها ما مجموعه 245 شخصاً، في واحدة من أبرز عمليات الوصول التي عرفتها الجزيرة خلال الفترة الأخيرة.
ووفق المعطيات المتوفرة، بدأت عمليات الوصول حوالي منتصف الليل، بينما وصل آخر القوارب في حدود الثامنة صباحاً، ما دفع السلطات المحلية إلى حالة استنفار ميداني لتأمين استقبال الوافدين وتوفير أماكن مؤقتة لإيوائهم، في ظل محدودية الطاقة الاستيعابية لمركز استقبال المهاجرين في أريثيفي.
وكان بالإمكان أن تكون الأعداد أكبر، بعدما تبين أن قاربين إضافيين كانا يستعدان للانطلاق نحو جزر الكناري، قبل أن تتدخل السلطات المغربية وتعترضهما، وهو ما يعكس استمرار التنسيق الأمني بين الرباط ومدريد لمواجهة شبكات الهجرة غير النظامية ومحاولات العبور بحراً.
وتزامنت هذه التطورات مع وجود رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز في الجزيرة لقضاء عطلته، الأمر الذي دفع رئيس بلدية أريثيفي، جوناثان دي ليون، إلى توجيه انتقادات حادة إلى الحكومة المركزية، معتبراً أن وصول هذا العدد الكبير من المهاجرين في وقت قصير يكشف، حسب تعبيره، عن اختلالات في تدبير ملف الهجرة.
وانتقد المسؤول الإسباني أيضاً الإجراءات الأمنية المشددة المحيطة بإقامة سانشيز في «لا ماريتا»، مشيراً إلى أن السلطات عززت الحماية حول مكان إقامة رئيس الحكومة وفرضت منطقة بحرية محددة في المياه القريبة من الساحل، في وقت كانت فيه قوارب المهاجرين تصل إلى الجزيرة، معتبراً أن الأولوية ينبغي أن تكون لمعالجة تداعيات الهجرة وتعزيز المراقبة البحرية.
وطالب رئيس بلدية أريثيفي الحكومة الإسبانية بالتعجيل بإعادة الوافدين إلى المغرب، كما انتقد تدخل خدمات الإنقاذ البحري الإسبانية في المياه المغربية لإنقاذ المهاجرين ونقلهم إلى لانزاروتي، بدلاً من نقلهم إلى أقرب نقطة ساحلية، وفق تصريحات المسؤول المحلي.
ومن بين الأشخاص الذين وصلوا إلى الجزيرة، يوجد ما لا يقل عن 30 قاصراً، وفق التصريحات الأولية التي أدلى بها الوافدون، إلى جانب 12 امرأة، بينما تشير المعطيات إلى أن غالبية الوافدين مغاربة، مع وجود مهاجرين من دول إفريقيا جنوب الصحراء أيضاً.
وخلفت الرحلة البحرية إصابات في صفوف بعض الوافدين، حيث جرى نقل ثلاثة أشخاص إلى المستشفى، من بينهم مصاب بكسر مفتوح على مستوى الساق، في حين اضطرت السلطات إلى إقامة خيمة وتجهيز أسرّة إضافية بشكل عاجل، بعدما تجاوز عدد الوافدين القدرة الاستيعابية لمركز الاستقبال المؤقت في أريثيفي، الذي لا يتسع سوى لنحو 120 إلى 130 شخصاً.
وأدى الضغط المفاجئ إلى نقل بعض العائلات والنساء إلى مركز آخر في بلدية سان بارتولومي، بينما ينتظر باقي المهاجرين استكمال إجراءات التعرف وتسجيل البيانات من طرف الشرطة الوطنية، قبل توزيعهم على مراكز الاستقبال في غران كناريا وتينيريفي، حيث تراجعت أعداد الوافدين خلال السنة الجارية بنحو 60 في المائة مقارنة بالفترة السابقة.
وتكتسي هذه العملية أهمية خاصة بالنسبة إلى السلطات الإسبانية، باعتبارها أولى عمليات الوصول إلى لانزاروتي منذ دخول ميثاق الهجرة واللجوء الجديد للاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ، غير أن مقتضياته لم تدخل بعد حيز التطبيق الكامل في جزر الكناري، في انتظار استكمال الحكومة الإسبانية الإجراءات التنظيمية وتحديد آليات تنزيله على أرض الواقع.
ويزيد ملف القاصرين من تعقيدات الوضع، إذ ينص الميثاق الأوروبي الجديد على ضرورة تعيين ممثل قانوني لمرافقة القاصرين خلال مرحلة الفرز والاستقبال، غير أن الخلاف القائم بين الحكومة الإسبانية وحكومة جزر الكناري بشأن الجهة المختصة حال دون تفعيل هذا الإجراء حتى الآن، بينما تنتظر الحكومة الإقليمية رأي هيئة محامي الدولة لحسم الاختصاص.
وتعيد هذه التطورات ملف الهجرة عبر الأطلسي إلى واجهة النقاش السياسي في إسبانيا، خصوصاً مع استمرار تدفق القوارب القادمة من السواحل المغربية نحو جزر الكناري، في وقت تعتمد فيه مدريد على التعاون مع المغرب للحد من عمليات الانطلاق، بينما تتزايد الضغوط الداخلية للمطالبة بمزيد من الإجراءات المتعلقة بالمراقبة والاستقبال وإعادة المهاجرين.
وبينما تعكس عملية اعتراض القاربين قبل انطلاقهما مستوى التعاون الأمني بين البلدين، فإن وصول 245 شخصاً على متن ثلاثة قوارب خلال ثماني ساعات يكشف، في المقابل، أن ملف الهجرة لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة، وأن أي تراجع مؤقت في أعداد الوافدين لا يعني بالضرورة نهاية الضغط على جزر الكناري، التي تجد نفسها مجدداً أمام تحديات الاستقبال والإيواء والتعامل مع القاصرين، في انتظار حلول أوروبية وإسبانية أكثر وضوحاً وفعالية.
21/08/2026