في سبتة المحتلة، لم تعد كرة القدم مجرد تسعين دقيقة وصراع على النقاط، بعدما تحولت مباراة نادي سبتة أمام لاس بالماس إلى عرض سياسي مكتمل الأركان، امتزجت فيه الأعلام الإسبانية بالنشيد الوطني والشعارات والهتافات، في محاولة واضحة لتحويل ملعب ألفونسو موروبِي إلى منصة لإظهار الولاء لإسبانيا وتسويق رواية سياسية مرتبطة بمدينة ما زال المغرب يعتبرها جزءاً من ترابه الوطني.
المباراة التي كان يفترض أن تكون مناسبة رياضية عادية خرجت منذ لحظاتها الأولى عن سياقها، بعدما جرى استدعاء الأزمة التي تعيشها المدينة إلى المدرجات وأرضية الملعب. فبدل أن تبقى الهجرة موضوعاً أمنياً وإنسانياً يحتاج إلى معالجة هادئة ومسؤولة، تحولت إلى وقود لخطاب تعبوي، بدا فيه نادي سبتة وكأنه يحمل على عاتقه مهمة التعبير عن غضب سكان المدينة ومواقفهم تجاه مدريد وتجاه ما يحيط بها.
ولم يكن النشيد الإسباني وحده حاضراً في المشهد، بل رافقته أعلام إسبانيا وهتافات غاضبة ضد رئيس الحكومة بيدرو سانشيز، تخللتها عبارات نابية ومهينة بحقه، في صورة تكشف أن الأزمة لم تعد بالنسبة إلى بعض الأطراف مجرد ملف لتدبير الهجرة، وإنما تحولت إلى مناسبة لإعادة ترتيب الاصطفافات داخل المدينة. والمفارقة أن المباراة التي قُدمت باعتبارها دفاعاً عن سبتة كانت، في جانب منها، احتجاجاً على الحكومة الإسبانية نفسها، بما يكشف حجم التناقضات الكامنة خلف الشعارات المرفوعة.
أما القميص الذي حمل عبارة “سبتة لا تُباع، سبتة تُدافع عنها”، فقد تحول بدوره من قطعة رياضية إلى شعار سياسي بامتياز. فالعبارة، مهما حاول أصحابها تقديمها في قالب رياضي، لا يمكن فصلها عن السياق التاريخي والسيادي للمدينة، خصوصاً عندما تظهر على أرضية الملعب بالتزامن مع الأعلام الإسبانية والنشيد الوطني وخطاب “الدفاع عن المدينة”. وهكذا أصبح الملعب، بشكل أو بآخر، مساحة لإعادة إنتاج خطاب سياسي يتجاوز حدود الرياضة.
والأكثر دلالة أن نادي لاس بالماس ارتبط اسمه أيضاً بهذا الجدل، بعدما كان من المنتظر أن يشارك في المبادرة قبل أن يتراجع عن ارتداء القميص، وفق ما أوردته تقارير محلية، وسط حديث عن مخاوف مرتبطة بمرور بعثة الفريق عبر مطار تطوان في رحلة العودة. والمفارقة هنا أن المغرب، الذي يحاول الخطاب الإسباني أحياناً تقديمه باعتباره مجرد طرف خارجي في قضية سبتة، ظل حاضراً في تفاصيل المشهد حتى عندما تعلق الأمر بمباراة لكرة القدم، من ترتيبات العبور إلى ملف الهجرة، وصولاً إلى طبيعة الأزمة التي دفعت إلى هذه التعبئة غير الرياضية.
مدرب سبتة، خوسيه خوان روميرو، لم يخف بدوره حجم التأثر بما يجري، عندما تحدث عن توقف حركة السيارات وتعطل التنقلات ومرور عمليات نقل المهاجرين بالقرب من منشآت النادي. وهي وقائع قد تكون لها آثار حقيقية على الحياة اليومية، لكن تحويلها إلى مادة أساسية داخل خطاب رياضي وسياسي يجعل السؤال مشروعاً حول حدود استغلال الأزمة الإنسانية في معركة إعلامية ورمزية تتجاوز كرة القدم بكثير.
ثم جاء تدخل خافيير تيباس، رئيس رابطة الدوري الإسباني، ليضيف بعداً آخر إلى المشهد، بعدما أعلن أن الرابطة “ستدافع عن سبتة” ضمن حدود اختصاصاتها. وهنا يبدو أن كرة القدم الإسبانية نفسها دخلت على خط قضية يفترض أن تتعامل معها المؤسسات السياسية والدبلوماسية، في وقت أصبح فيه الملعب مساحة لتبادل الرسائل السياسية، وكأن تسجيل الأهداف لم يعد كافياً، وأصبح مطلوباً أيضاً تسجيل المواقف.
لكن المفارقة الأقوى جاءت فوق أرضية الملعب نفسها. فبعد كل ذلك الاستعراض، وكل تلك القمصان والأعلام والهتافات والرسائل السياسية، انتهت المباراة بفوز لاس بالماس على نادي سبتة، ليخرج الفريق المحلي من المواجهة من دون نقطة جديدة. وبحسب معطيات رابطة الدوري الإسباني، ظل رصيد سبتة عند صفر نقطة بعد خسارته الثانية، ليستقر في المركز الأخير، بينما رفع لاس بالماس رصيده إلى ست نقاط، متصدراً جدول الترتيب مؤقتاً.
وهنا تكمن مفارقة المشهد التي يصعب تجاهلها: كل ذلك الخطاب عن “الدفاع” عن المدينة لم يمنح الفريق المضيف أي أفضلية داخل الملعب. فبينما كانت المدرجات منشغلة بالأعلام والشعارات، كان لاس بالماس أكثر فاعلية في المستطيل الأخضر، وحسم المواجهة لمصلحته، ليغادر بالنقاط الثلاث، فيما بقي صاحب الأرض في قاع جدول الترتيب بصفر نقطة. وهكذا انتهت ليلة التعبئة السياسية بنتيجة رياضية لا تبدو منسجمة كثيراً مع صورة القوة التي حاولت المدرجات رسمها.
ومن زاوية مغربية، فإن محاولة تقديم سبتة المحتلة باعتبارها مدينة إسبانية معزولة عن محيطها لا تصمد أمام أبسط حقائق الجغرافيا. فالمدينة توجد على التراب الإفريقي، وتعيش وسط المجال المغربي، وترتبط بجوارها المغربي في جوانب متعددة من الحركة اليومية والاقتصادية واللوجستية. وحتى تفاصيل سفر الفرق الرياضية نفسها تكشف هذا الارتباط الجغرافي، في مشهد يلخص المفارقة بين الخطاب السياسي والواقع الذي لا يمكن تجاهله.
وإذا كانت مباراة سبتة قد انتهت فوق أرضية الملعب، فإن الرسائل التي حاول منظموها تمريرها ستبقى جزءاً من معركة رمزية أوسع. غير أن المغرب لا يحتاج إلى الرد على كل هتاف أو لافتة، لأن التاريخ والجغرافيا لا يتغيران بترديد الشعارات، والحدود السياسية لا يعاد رسمها من مدرجات ملعب. أما تحويل كرة القدم إلى منصة تعبئة وطنية، فقد يمنح لحظات حماسية للجمهور، لكنه لا يستطيع تغيير حقيقة أن سبتة ومليلية تظلان في قلب سؤال مغربي تاريخي وسيادي أكبر من مباراة، وأكبر من تسعين دقيقة، بل إن صافرة النهاية هذه المرة تركت خلفها مفارقة لافتة: فريق يرفع شعارات “الدفاع” عن المدينة في المدرجات، لكنه يجد نفسه رياضياً في مؤخرة الترتيب بصفر نقطة، بينما غادر منافسه بالنقاط الثلاث وتصدر الترتيب مؤقتاً.
