يبدو أن تصنيف قلعة ثازوضا ضمن التراث الوطني لم يشفع لها لدى من يفترض أن يسهروا على حمايتها، فمنتجع كوروكو، أحد أجمل الفضاءات الطبيعية بإقليم الناظور، يجد نفسه اليوم محاصراً بالنفايات المنتشرة في محيطه، في مشهد يختصر مفارقة مؤلمة: موقع مصنف ضمن التراث الوطني، لكن واقعه الميداني أقرب إلى فضاء متروك لمصيره.
الصور والمشاهد المتداولة من الموقع تطرح أكثر من مجرد سؤال حول نظافة المكان؛ فهي تضع مسؤولية حماية هذا الرصيد الطبيعي والتاريخي أمام الجهات المعنية، بعدما تحولت بعض جنباته إلى نقاط لتراكم الأزبال، بما يشوه جمالية كوروكو، ويهدد البيئة، ويبعث برسالة سلبية إلى الزوار والسياح وكل من يقصد المنطقة للاستمتاع بطبيعتها واكتشاف معالمها التاريخية.
وفي خضم هذا الوضع، أطلق أحمد غودان، وهو فاعل مدني مهتم بالمجال البيئي، نداء استغاثة، داعياً الغيورين على المنطقة والمتطوعين إلى التحرك وتنظيم مبادرة جماعية لتنظيف الموقع، في محاولة لتدارك ما يمكن تداركه وإعادة الاعتبار إلى فضاء لا ينبغي أن يُترك رهينة للإهمال.
لكن التطوع، مهما كانت قيمته، لا يمكن أن يتحول إلى بديل دائم عن المسؤولية المؤسساتية. فحماية كوروكو وقلعة ثازوضا ليست مهمة الجمعيات والمتطوعين وحدهم، بل مسؤولية الجماعات الترابية والجهات المعنية، وفي مقدمتها جماعة إيحدادن وجماعة بني شيكر، كل في حدود اختصاصاته ومجاله الترابي.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: إذا كانت الجماعات والقيادات الترابية تتوفر على عمال وعناصر منخرطة في برامج الإنعاش الوطني وموارد بشرية يمكن تسخيرها في مثل هذه العمليات، فلماذا لا يتم وضع برنامج منتظم لتنظيف الموقع والعناية بمحيطه؟ ولماذا ينتظر المسؤولون أن يطلق المواطنون نداءات الاستغاثة قبل أن تتحرك الآليات والعمال؟
الأمر لا يتعلق بحملة تنظيف موسمية لالتقاط الصور ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، بل بحاجة إلى تدبير مستدام يحافظ على الموقع، عبر توفير حاويات للنفايات، وتنظيم عمليات تنظيف دورية، ووضع لوحات تحسيسية، وتشديد المراقبة على من يحولون الفضاءات الطبيعية والتاريخية إلى مطرح عشوائي لنفاياتهم.
فكوروكو ليس ملكاً لجماعة بعينها، ولا ملكاً لجمعية أو منتخب أو مسؤول؛ إنه جزء من الرصيد الطبيعي والتراثي للمنطقة، وحمايته مسؤولية مشتركة. لكن المسؤولية المشتركة لا تعني أن يتوارى الجميع خلف عبارة “مسؤولية الجميع” حتى لا يتحمل أحد المسؤولية.
اليوم، لا يحتاج كوروكو إلى خطابات رنانة ولا إلى شعارات بيئية للاستهلاك الإعلامي، بل يحتاج إلى عمال وآليات وبرنامج واضح ومراقبة مستمرة. ويحتاج قبل كل شيء إلى مسؤولين يرون في حماية البيئة والتراث واجباً يومياً، لا موسماً انتخابياً أو مناسبة لالتقاط الصور.
أما المتطوعون والفاعلون المدنيون، فنداؤهم واضح: من منقذ؟ ومن سيبادر إلى إنقاذ هذا الموقع قبل أن تتحول النفايات المتراكمة إلى عنوان دائم لكوروكو؟
قلعة ثازوضا تستحق أكثر من تصنيف على الورق، وكوروكو، المعروف تاريخياً باسم “أذرار ن سيدي أحمد ن الحاج”، نسبةً إلى الولي الصالح، أو باسم “أذرار ن قرعي”، يستحق أكثر من أن يكون مجرد خلفية جميلة للصور. فإما أن تتحول صفة التراث الوطني إلى حماية فعلية على الأرض، وإما أن يبقى التصنيف مجرد لافتة معلقة فوق واقع لا يليق بموقع يستحق أن يكون واجهة للناظور، لا مكباً مفتوحاً للنفايات.
كوروكو اليوم لا يطلب المستحيل، بل يطلب فقط أن يُعامل بما يستحقه. وقلعة ثازوضا لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما تحتاج إلى حماية حقيقية تعيد إليها هيبتها وتصونها من الإهمال. فحين تتحول النفايات إلى مشهد يطغى على التاريخ والطبيعة، يصبح الصمت نفسه نوعاً من التخلي عن المسؤولية. وبينما تتراكم الأزبال تحت أنظار الجميع، يبقى السؤال معلقاً في سماء كوروكو: هل تنقذ الجهات المسؤولة أذرار ن سيدي أحمد ن الحاج قبل أن يتحول من ذاكرة للناظور إلى شاهد على زمن الإهمال؟
23/08/2026