kawalisrif@hotmail.com

أزمة سبتة … زعيم فوكس يفجرها مدوية :   “القوات الجزائرية التابعة لسانشيز” تدخل قرطاجنة .. و”المافيوزي” يجلب أعداء إسبانيا للتصويت !

أزمة سبتة … زعيم فوكس يفجرها مدوية : “القوات الجزائرية التابعة لسانشيز” تدخل قرطاجنة .. و”المافيوزي” يجلب أعداء إسبانيا للتصويت !

في خضم أزمة الهجرة التي تعيد سبتة المحتلة إلى واجهة المشهد الإسباني، وجد سانتياغو أباسكال، زعيم حزب فوكس، نفسه يوجه سهام الاتهام نحو الجزائر، في مشهد يحمل من المفارقة السياسية أكثر مما يحمل من المفاجأة. فالدولة التي اعتادت تقديم نفسها باعتبارها قوة إقليمية لا علاقة لها بأزمات جيرانها، وجدت اسمها فجأة حاضراً في خطاب سياسي إسباني مرتبط بالهجرة والأمن، وكأن دفتر الأزمات الذي كان يُفتح عادة بحثاً عن اسم المغرب قرر هذه المرة تغيير الصفحة.

ونشر أباسكال رسالة شديدة اللهجة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ربط فيها وصول مهاجرين إلى قرطاجنة بالجزائر وحكومة بيدرو سانشيز، وذهب إلى حد وصفهم بـ”القوات الجزائرية التابعة لسانشيز”، متهماً رئيس الحكومة الإسبانية بجلب “الأعداء” إلى إسبانيا من أجل البقاء في السلطة. وسواء اتفق المرء مع أباسكال أو اختلف معه، فإن تصريحاته قلبت اتجاه السهام، ولو مؤقتاً، ووضعت الجزائر أمام سؤال لم تكن تتوقع أن يأتيها من مدريد بهذه الطريقة.

المثير أن المنشور واجه انتقادات داخل المنصة نفسها، خصوصاً بسبب الإشارة إلى الجزائر بدلاً من المغرب. وهنا تظهر المفارقة التي يصعب تجاهلها: عندما يتعلق الأمر بالهجرة، اعتادت بعض الأصوات الإسبانية البحث سريعاً عن الرباط، وكأن المغرب أصبح “العنوان الافتراضي” لكل أزمة حدودية. لكن هذه المرة، وبمجرد أن ظهر اسم الجزائر في الصورة، بدا المشهد أقل بساطة، وكأن ماكينة الاتهامات اكتشفت فجأة أن الخريطة أكبر من المغرب.

والأكثر إثارة أن الجزائر، التي طالما قدمت نفسها في خطابها السياسي باعتبارها رقماً إقليمياً صعباً وصاحبة نفوذ متوسطي، تجد نفسها الآن حاضرة في نقاش إسباني حول الهجرة. وهنا تكمن المفارقة الساخرة: قوة إقليمية كما تُقدَّم في الخطابات، لكنها لا تستطيع منع اسمها من الوصول إلى أحد أكثر الملفات إحراجاً في الضفة الشمالية للمتوسط. يبدو أن لقب “القوة الإقليمية” له أحياناً وظيفة إعلامية أكبر من وظيفته السياسية!

لكن المفارقة لا تتوقف هنا. فقبل أن تطلق رصاصة أباسكال السياسية الأخيرة، كانت العلاقة بين خطاب فوكس ومواقف الجزائر تجاه المغرب قد شكلت، في فترات سابقة، مساحة لافتة للتقاطع السياسي، خصوصاً في كل ما يتعلق بمهاجمة الرباط والتشكيك في مصالحها الإقليمية. ومن هنا يبرز سؤال مثير، لا باعتباره حكماً نهائياً، وإنما باعتباره مدخلاً لقراءة التحولات: هل كان هناك يوماً “تحالف ظل” بين النظام الجزائري وبعض دوائر فوكس في معركة مشتركة ضد المغرب والاستقرار الإقليمي؟ وإذا كان هذا التقاطع قد وُجد سياسياً وإعلامياً في مراحل سابقة، فهل جاءت تصريحات أباسكال الأخيرة لتقول إن “السمن على العسل” لم يعد كما كان؟

السؤال يصبح أكثر إثارة عندما نضعه أمام المشهد الحالي. فالرجل الذي ارتبط خطابه لسنوات بمواقف شديدة القسوة تجاه المغرب، يجد نفسه الآن يضع الجزائر في قلب خطاب يتعلق بالهجرة الإسبانية. ومن المفارقات أن من كان يمكن أن يُنظر إليه باعتباره جزءاً من جبهة سياسية تنتقد الرباط، بات يوجه سهامه إلى الجزائر نفسها. إنها السياسة حين تقلب الطاولة على أصحابها، وحين يصبح الحليف المفترض، أو المتقاطع معه في بعض الملفات، هدفاً لرصاصة سياسية مفاجئة.

وبينما تحاول الجزائر منذ سنوات جعل الخصومة مع المغرب محوراً ثابتاً في خطابها الإقليمي، يواصل المغرب تعزيز حضوره في ملفات التعاون الأمني والهجرة مع إسبانيا وأوروبا. وهنا يصبح الفرق واضحاً بين دولة تنفق جزءاً كبيراً من خطابها السياسي في مطاردة المغرب إعلامياً، ودولة يفرض موقعها الجغرافي وشراكاتها الأمنية والاقتصادية حضورها في الملفات التي تهم أوروبا مباشرة.

والأكثر طرافة أن المغرب، الذي تعرض مراراً لمحاولات تحميله مسؤولية كل ضغط للهجرة، أصبح في موقع مختلف داخل المعادلة. فالتنسيق الأمني المغربي الإسباني لم يختفِ بسبب الحملات السياسية، وشبكات التعاون في مواجهة الهجرة غير النظامية والتهريب تظل واقعاً قائماً. أما الخطابات التي كانت تريد اختزال المشهد كله في “المسؤولية المغربية”، فتبدو اليوم أمام اختبار صعب: ماذا تفعل عندما تدخل الجزائر نفسها إلى الصورة؟

وفي سبتة المحتلة تحديداً، تصبح اللعبة أكثر وضوحاً. فكل أزمة هجرة تتحول إلى مادة دسمة للأحزاب الإسبانية، وكل طرف يبحث عن خصم يعلّق عليه إخفاقاته. لكن تحويل المغرب إلى شماعة دائمة لم يعد كافياً لتفسير كل شيء. فالمتوسط ليس مسرحاً مغلقاً، والهجرة ظاهرة معقدة، والحدود لا تتحرك وفق رغبات الخطابات الحزبية.

أما الجزائر، التي اعتادت تقديم نفسها باعتبارها قوة لا يمكن تجاوزها، فقد تجد نفسها أمام مفارقة سياسية لا تخلو من السخرية: كلما حاولت رفع صوتها ضد المغرب، ارتفع حضور المغرب في المعادلات الإقليمية، وكلما حاولت تقديم نفسها باعتبارها مركز الثقل في المنطقة، وجد اسمها طريقه إلى الملفات التي لا تحب كثيراً أن تكون تحت الأضواء.

والأكيد أن المغرب لا يحتاج إلى الدخول في سجال مع كل تصريح يصدر من مدريد أو الجزائر، لأن الواقع أكثر بلاغة من الخطب. فالمغرب موجود في معادلة الأمن والهجرة والتجارة والطاقة والتعاون المتوسطي بحكم الجغرافيا والمصالح، بينما يبدو أن بعض الجهات ما زالت تستهلك وقتها في محاولة إقناع نفسها بأن مهاجمة الرباط تكفي لصناعة نفوذ إقليمي.

وهكذا، تحولت تغريدة أباسكال إلى أكثر من مجرد هجوم على سانشيز؛ فقد كشفت، ولو من زاوية سياسية صدامية، أن ملف الهجرة أكبر من الرواية التي اعتادت بعض الأصوات اختزالها في المغرب. وبينما كان اسم الرباط يُستدعى عند كل أزمة، وجدت الجزائر نفسها هذه المرة تحت الضوء، في مشهد قد يكون أكثر إزعاجاً من أي خطاب مغربي مضاد.

وفي النهاية، تبدو الجزائر أمام مرآة سياسية لم تكن تتوقعها. فبعد سنوات من مهاجمة المغرب وتقديمه باعتباره أصل كل مشكلة إقليمية تقريباً، جاء الدور على اسم الجزائر ليظهر في قلب سجال إسباني حول الهجرة. أما “رصاصة” أباسكال السياسية، فقد أصابت هذه المرة منطقة حساسة من المعادلة: فهل انتهى فعلاً زمن “السمن على العسل” بين بعض دوائر فوكس والجزائر، أم أن الأمر مجرد خلاف عابر داخل مطبخ المصالح؟

وفي انتظار الجواب، يبدو أن دفتر الاتهامات الإسباني قرر أخيراً تحديث محتواه؛ فبعد سنوات ظل فيها اسم المغرب يتصدر الصفحة، دخل اسم الجزائر إلى الهامش… والمشكلة أن الهامش هذه المرة بدأ يكبر، وربما أصبح يحتاج إلى صفحة كاملة !

23/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts