يبدو أن قصة علي بابا لم تنتهِ بعد، بل قررت عبور المحيط الأطلسي لتحط رحالها هذه المرة في كولومبيا. لكن علي بابا الجديد لا يبحث عن كنز أسطوري مخبأ في مغارة، وإنما عن بيانات سياسية وتوقيعات برلمانية يمكن استخدامها في معركة دبلوماسية على بُعد آلاف الكيلومترات من شمال إفريقيا. وفي النسخة الكولومبية من الحكاية، ظهر أكثر من أربعين برلمانيًا في مقدمة حملة تستهدف الموقف المغربي، بالتزامن مع موقف رسمي جديد بشأن قضية الصحراء المغربية. وإذا كان علي بابا الأسطوري قد ارتبط بأربعين حراميًا، فإن النسخة السياسية الجديدة جاءت بأربعين توقيعًا، لتترك خلفها السؤال الأهم: من يدفع فاتورة هذه الحملة، ومن يقف وراءها؟
فمن داخل الكونغرس الكولومبي، أعلن أكثر من أربعين برلمانيًا رفضهم الشديد للقرار الذي اتخذته حكومة أبيلاردو دي لا إسبرييلا، وذهبوا إلى وصف الاعتراف بمغربية الصحراء بأنه اعتراف بما سموه احتلالًا غير قانوني. لكن قبل الاحتفال بهذا الرقم وتقديمه باعتباره زلزالًا دبلوماسيًا، يبدو من المفيد وضع الأربعين في ميزان الأرقام، لا في ميزان الدعاية السياسية.
فالكونغرس الكولومبي، وفق المعطيات المقدمة، يضم 286 مقعدًا بين مجلسي الشيوخ والنواب، ما يعني أن أكثر من أربعين برلمانيًا يمثلون نحو 14 في المائة فقط من مجموع أعضاء المؤسسة التشريعية. وبعبارة أبسط: الأربعون ليسوا كولومبيا، ولا يمثلون أغلبية البرلمان، فضلًا عن أن يتحولوا فجأة إلى لسان حال ملايين الكولومبيين. إنها أقلية برلمانية أصدرت موقفًا سياسيًا حادًا، مهما ارتفع صوتها ومهما حاولت بعض الجهات تقديمه باعتباره إجماعًا وطنيًا.
والأكثر إثارة للسخرية أن البيان يتحدث بلغة توحي بأنه يعكس “الموقف المشروع للشعب الكولومبي”، وكأن الموقعين الأربعين حصلوا على تفويض شعبي شامل لقياس نبض ملايين المواطنين. فمتى أصبح توقيع عشرات البرلمانيين استفتاءً شعبيًا؟ ومتى تحولت أقلية داخل مؤسسة تشريعية إلى مرآة كاملة لشعب بأسره؟ أم أن قاعدة السياسة الجديدة تقول إن أربعين توقيعًا تكفي لصناعة أربعين مليون رأي؟
أما قصة أكثر من 173 ألف صحراوي في مخيمات تندوف، والتي يقدمها البيان في سياق اتهامات للمغرب، فلا يمكن التعامل معها باعتبارها رواية سياسية مكتملة ونهائية لمجرد ورودها في بيان برلماني. فقضية الصحراء المغربية أكثر تعقيدًا من أن تختزل في عبارات جاهزة عن الاحتلال والاستعمار، وهي قضية إقليمية عمرها عقود، تتداخل فيها اعتبارات تاريخية وسياسية وقانونية وجيوسياسية، فيما يبقى المسار الأممي هو الإطار الدولي لمعالجة النزاع.
والأغرب أن بعض أصحاب البيان يتحدثون بلهجة من اكتشف فجأة وصفة لإنقاذ العالم من أزمات حقوق الإنسان، وكأن التاريخ السياسي لأمريكا اللاتينية خلا من الحروب الأهلية والصراعات المسلحة والأزمات الاجتماعية والسياسية. أما كولومبيا نفسها، فقد عاشت عقودًا طويلة تحت وطأة نزاعات مسلحة واضطرابات أمنية وسياسية عميقة. ولذلك فإن تحويل قاعة البرلمان إلى منصة لإلقاء دروس جاهزة على المغرب لا يمنح أصحابها تلقائيًا احتكار الحقيقة، ولا يحول البيان السياسي إلى حكم نهائي في نزاع دولي معقد.
ثم تأتي حكاية الأربعين لتكشف حجم المفارقة: أربعون برلمانيًا من أصل 286، أي نحو 14 في المائة فقط. ومع ذلك، يجري تقديم الرقم وكأنه انتفاضة كولومبية شاملة ضد المغرب. وهنا يحق للمتابع أن يسأل بسخرية: هل نحن أمام ثورة دبلوماسية في بوغوتا، أم أمام حملة ضغط محدودة جرى تضخيمها أكثر من حجمها؟ وهل أصبح عدد الموقعين أهم من مضمون الموقف الرسمي للدولة؟
ومن هنا تبدأ الحكاية الأكثر إثارة: المال والسياسة واللوبيات. فمن حق الرباط أن تتساءل عن خلفيات هذا الحماس المفاجئ، وعن الجهات التي تتحرك في الكواليس، وعن شبكات الضغط التي تنشط في عواصم بعيدة عن المنطقة. فالدبلوماسية لا تُدار بالبيانات وحدها، والسياسة الدولية ليست جمعية خيرية، والحملات العابرة للقارات لا ينبغي أن تُعامل دائمًا وكأنها ولدت من صحوة ضمير جماعية بلا مصالح ولا حسابات.
وهنا يظهر اسم الجزائر بوضوح. فالجزائر ليست طرفًا عابرًا في ملف الصحراء، بل تُعد منذ عقود الداعم السياسي والعسكري والمالي الأبرز لما يسمى جبهة البوليساريو، كما تستضيف قيادة الجبهة ومخيمات تندوف على أراضيها. ولذلك فإن انتقال خطاب البوليساريو وحلفائها إلى عواصم بعيدة، ومنها بوغوتا، لا يمكن فصله عن تاريخ طويل من الاستثمار الجزائري في المعركة الدبلوماسية ضد المغرب.
وعلى مدى عقود، سخّرت الجزائر إمكاناتها الدبلوماسية والإعلامية والمالية لخدمة هذا الملف، وجعلت من عائدات النفط والغاز أحد مصادر قوتها في التحرك الخارجي. أما الحديث عن حجم الأموال التي أُنفقت تحديدًا، فتتداول بشأنه تقديرات مختلفة، ولا يوجد رقم رسمي شامل يغطي كل ما أنفقته الجزائر على هذا الملف طوال العقود الماضية. لكن المؤكد سياسيًا أن قضية الصحراء المغربية تحتل موقعًا مركزيًا في السياسة الخارجية الجزائرية، وأن النظام الجزائري لم يتعامل معها كملف عابر، بل كمعركة استراتيجية مفتوحة ضد المغرب.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: عندما تظهر حملة سياسية في عاصمة بعيدة، تحمل خطابًا قريبًا من خطاب البوليساريو، هل يمكن فصلها عن هذا السياق الإقليمي الطويل؟ وهل تكفي المسافة الجغرافية بين الجزائر وكولومبيا لإخفاء امتدادات المعركة الدبلوماسية التي خاضتها الجزائر لعقود؟
لكن الفرق بين الصحافة الجادة والدعاية هو أن السؤال يبقى سؤالًا إلى أن يأتي الدليل: من دفع؟ من موّل؟ من نسّق؟ ومن استفاد؟ فلا يجوز تحويل الشبهة إلى حقيقة، كما لا يجوز في المقابل دفن الأسئلة تحت ركام الشعارات.
وهنا تصبح استعارة علي بابا والأربعين حراميًا أكثر إغراءً. فعلي بابا الأسطوري كان يبحث عن الكنز، أما علي بابا السياسي فيبدو وكأنه يبحث عن مواقف جاهزة، فيما يتولى الأربعون مهمة ترديدها تحت قبة البرلمان. وإذا كان الكنز القديم مخبأً خلف باب سحري، فإن “الكنز السياسي” في هذه الحكاية قد يقود، على سبيل السخرية، إلى عالم النفط والغاز، وخزائن سوناطراك، وأبواب قصر المرادية، ومكاتب اللوبيات التي تعرف كيف يمكن للثروة أن تتحول إلى نفوذ.
لكن هنا تكمن المفارقة التي يبدو أن أصحاب حملة الأربعين لم ينتبهوا إليها: المال قد يشتري حملة، لكنه لا يشتري إجماعًا؛ وقد يشتري توقيعًا، لكنه لا يصنع شرعية؛ وقد يرفع ضجيجًا إعلاميًا، لكنه لا يغير موازين الجغرافيا والتاريخ والسياسة.
والأهم أن البيان البرلماني ليس قرارًا دوليًا، والأربعون برلمانيًا ليسوا كولومبيا، والضغط السياسي ليس إرادة شعبية. فالمواقف الخارجية للدول تُقاس بمواقف حكوماتها ومؤسساتها الرسمية ومساراتها الدبلوماسية، لا بعدد التوقيعات التي تجمعها حملة سياسية في ظرف معين.
أما المغرب، فلا يحتاج إلى أربعين توقيعًا في برلمان بعيد كي يثبت حضوره، ولا إلى حملة علاقات عامة لتذكير العالم بموقع قضية الصحراء المغربية في سياسته الخارجية. فالمعركة الدبلوماسية تُخاض بالنفس الطويل، وبناء الشراكات، والحضور الاقتصادي والسياسي، وترسيخ المواقف الدولية، لا بمجرد رفع الشعارات داخل القاعات.
ولهذا فإن محاولة تحويل أربعين توقيعًا إلى انتصار سياسي على الرباط تبدو أقرب إلى نفخ بالون إعلامي أكثر من كونها تحولًا استراتيجيًا. فالبيانات تتكاثر، والتوقيعات تُجمع، والضجيج يرتفع، لكن قضية الصحراء المغربية لا تُحسم بهذه الطريقة. ومن يراهن على المال لشراء المواقف قد يكتشف في النهاية أن الموقف الذي يُشترى بالمال يمكن أن يتغير عندما تتغير الفاتورة.
وفي نهاية المطاف، يستطيع الأربعون إصدار البيانات ورفع سقف خطابهم كما يشاؤون، لكنهم لن يحسموا قضية الصحراء المغربية ببيان عابر. وإذا كان هناك من يعتقد أن المال قادر على شراء المواقف، فإن السؤال الذي سيظل يطارد هذه الحكاية هو: كم بلغت الفاتورة؟ ومن دفعها؟ ومن فتح الخزينة؟ ومن سلّم المفاتيح؟
وهكذا تعود حكاية علي بابا إلى بدايتها: الأربعون ظهروا في كولومبيا، والبيان خرج إلى العلن، أما الخزينة المعلومة فتظل في حاسي مسعود وبلّارة، وفي انتظار أن يعرف الرأي العام من كان يقف فعلًا عند بابها.
23/08/2026