في تطور قانوني لافت، وجد عشرات الأشخاص الموقوفين في إقليم قادس الإسباني على خلفية ما يعرف بعمليات نقل الوقود لفائدة شبكات تهريب المخدرات أنفسهم أمام فرصة للمطالبة بالإفراج عنهم، بل وحتى بالحصول على تعويضات مالية، بعدما قلب تعديل حديث للقانون الجنائي بعض المعطيات التي كانت تحكم ملفاتهم القضائية رأسا على عقب. القضية تكشف مفارقة غير متوقعة في واحدة من أكثر المناطق الإسبانية ارتباطا بمواجهة شبكات تهريب المخدرات.
ويتعلق الأمر بما يعرف في إسبانيا باسم “بيتاكيو”، وهي ممارسة تقوم على نقل كميات كبيرة من الوقود وتزويد القوارب السريعة التي تستخدمها شبكات الاتجار غير المشروع بالمخدرات. وتعتبر السلطات الإسبانية هذه العملية جزءا من منظومة لوجستية تعتمد عليها شبكات تهريب الكوكايين والحشيش، ما جعل الحرس المدني والشرطة الوطنية ينفذان بشكل متكرر عمليات أمنية ضد الأشخاص المتورطين في نقل وتخزين هذه الشحنات.
لكن تعديلا للقانون الجنائي أقر في أبريل 2026 أدخل قواعد جديدة خاصة بالنقل غير القانوني للوقود السائل، وفرض عقوبات تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات سجنا. غير أن المحكمة العليا الإسبانية تدخلت في يونيو لتضع حدا لأي محاولة لتطبيق هذه العقوبات بأثر رجعي، مؤكدة أن المقتضيات الجديدة لا يمكن أن تطال أفعالا ارتكبت قبل دخول القانون المعدل حيز التنفيذ.
وهنا بدأت المفاجأة تظهر داخل محاكم قادس، بعدما شرع بعض الأشخاص الذين كانوا قد أودعوا السجن الاحتياطي بسبب الاشتباه في تورطهم في عمليات “بيتاكيو” سابقة لشهر أبريل، في تقديم طلبات للإفراج عنهم. وبالنسبة إلى هؤلاء، فإن القاعدة القانونية الجديدة التي كانت ستشدد العقوبة لا يمكن استخدامها لمحاكمتهم عن أفعال سابقة، وهو ما دفع ملفات كانت تبدو محسومة إلى العودة مجددا إلى الواجهة القضائية.
ولم تتوقف المطالب عند الإفراج، إذ لجأ بعض المعنيين إلى المطالبة بحفظ أو تعليق الإجراءات القضائية المرتبطة بالأفعال التي سبقت الإصلاح القانوني. والأكثر إثارة أن القرار القضائي فتح الباب أيضا أمام مطالبات مالية من أشخاص يعتبرون أنهم حرموا من حريتهم دون أساس قانوني يسمح بتطبيق المقتضيات الجديدة عليهم، لتتحول القضية من ملف جنائي إلى معركة قانونية قد تكون لها تبعات مالية على الدولة.
ويؤكد المحامي ألفارو أزنار ريفويلتا، المتخصص في القضايا المرتبطة بتهريب المخدرات، أن الأمر يتعلق بعشرات الأشخاص الذين تقدموا بهذه المطالب بعد الإصلاح القانوني. وفي المقابل، لا تزال النيابة العامة تتوفر على منفذ قانوني آخر، إذ يمكنها الاستناد إلى المادة 348 من القانون الجنائي عندما يتعلق الأمر بتخزين أو نقل مواد قابلة للاشتعال بطريقة تخالف قواعد السلامة وتشكل خطرا محددا على الأشخاص أو البيئة.
وتنص هذه المادة، بحسب المعطيات التي أوردها المصدر الإسباني، على عقوبات تتراوح بين ستة أشهر وثلاث سنوات سجنا في مثل هذه الحالات. وهو ما يعني أن سقوط إمكانية تطبيق بعض المقتضيات الجديدة لا يعني بالضرورة انتهاء جميع المتابعات، بل قد تنتقل المواجهة القضائية إلى مواد قانونية أخرى، في لعبة قانونية دقيقة بين النيابة والدفاع.
وهكذا، تحولت قضية الوقود الذي كان يفترض أن يغذي قوارب شبكات المخدرات إلى وقود لمعركة قانونية جديدة داخل المحاكم الإسبانية. فبينما تواصل الأجهزة الأمنية مطاردة شبكات التهريب على الأرض وفي البحر، وجد بعض الموقوفين أنفسهم في موقع المطالبين بالحرية والتعويض، مستفيدين من قاعدة قانونية بسيطة في ظاهرها لكنها قوية في مفعولها: لا عقوبة جنائية بأثر رجعي.
وفي النهاية، قد تكون المفارقة الأشد أن الوقود الذي كان يفترض أن يدفع قوارب التهريب إلى عرض البحر، انتهى به المطاف بإشعال معركة داخل المحاكم الإسبانية. موقوفون كانوا يواجهون السجن أصبحوا يطرقون أبواب القضاء طلبا للحرية، وبعضهم يطالب بالتعويض، فيما تجد النيابة نفسها مطالبة بإيجاد مخارج قانونية أخرى لملاحقة الملفات. وبين البحر الذي تلاحقه قوارب المخدرات وقاعات المحاكم التي تلاحقها ثغرات القانون، يبدو أن معركة قادس لم تعد فقط ضد التهريب، بل ضد الزمن أيضا… ذلك الزمن الذي سبق تعديلا قانونيا بأشهر قليلة، لكنه قد يقلب مصير عشرات الملفات رأسا على عقب.
24/08/2026