في خضم الجدل المتجدد حول سبتة ومليلية المحتلتين، اختارت صحيفة إسبانية العودة إلى واحدة من أكثر صفحات التاريخ إثارة للجدل، وهي معاهدة واد راس الموقعة سنة 1860، محاولة تقديمها باعتبارها ورقة قانونية وتاريخية يمكن أن تعزز الرواية الإسبانية بشأن السيادة على المدينتين المحتلتين. غير أن المقال، بدل أن يقدم قراءة متوازنة للتاريخ، يبدو أقرب إلى محاولة إعادة ترتيب أوراق الماضي بما يخدم موقف مدريد في معركة سياسية لا تزال مفتوحة.
الكاتب الإسباني فرانسيسكو س. غارسيا كورال ينطلق من فكرة أساسية مفادها أن استعمال المغرب لعبارة “استرجاع” سبتة ومليلية يفترض، في نظره، أن المدينتين كانتا في وقت سابق جزءاً من الدولة المغربية قبل أن تنتزعا منها. ومن هنا يبدأ بناء سردية طويلة تستحضر البرتغاليين، والملكية الإسبانية، ومعاهدة لشبونة سنة 1668، ثم تصل في النهاية إلى واد راس سنة 1860.
لكن المشكلة تبدأ تحديدا عندما يتحول التاريخ إلى ما يشبه دفتر حسابات سياسي: هذا التاريخ لنا، وهذه المعاهدة لنا، وهذا البند لصالحنا، وبالتالي انتهى النقاش. والحال أن القضايا الترابية لا تُحسم بمجرد انتقاء وثيقة تاريخية وإخراجها من الأرشيف في اللحظة المناسبة، كما أن عبارة “السيادة” الواردة في معاهدة من القرن التاسع عشر لا تلغي تلقائيا كل ما سبقها ولا تحسم بمفردها طبيعة النزاع في القانون الدولي المعاصر.
المقال يركز بشكل خاص على معاهدة واد راس، التي أبرمت في تطوان يوم 26 أبريل 1860 بعد الحرب المغربية الإسبانية، ويستند إلى مقتضياتها المتعلقة بتوسيع المجال الترابي المحيط بسبتة، وإلى الصياغة التي تتحدث عن التنازل “في كامل الملك والسيادة” عن أراضٍ محددة لفائدة إسبانيا. كما يستحضر بنوداً أخرى تتعلق بترسيم الحدود وممارسة السلطات الإسبانية لاختصاصاتها في الأراضي التي شملها الاتفاق.
ولا خلاف في أن هذه الوثيقة جزء من التاريخ الدبلوماسي المغربي الإسباني، وأنها تستحق القراءة والدراسة. لكن تحويلها إلى “مفتاح” نهائي لحسم ملف سبتة ومليلية المحتلتين هو بالضبط القفزة التي تستحق التوقف عندها.
حتى صاحب المقال نفسه يعترف، في لحظة من لحظات الحذر، بأن واد راس لم تمنح إسبانيا سبتة سنة 1860، لأن المدينة كانت بالفعل تحت السيطرة الإسبانية قبل ذلك بقرون. وهنا يظهر التناقض الطريف: المقال يريد تقديم المعاهدة باعتبارها دليلاً بالغ القوة، ثم يضطر في الوقت نفسه إلى الاعتراف بأنها لا تثبت أصل السيادة الإسبانية على المدينة، وإنما تتعلق أساساً بتوسيع المجال الترابي المحيط بها وتحديد ترتيبات مرتبطة به.
بمعنى آخر، الوثيقة التي يقدمها المقال وكأنها “الضربة القاضية” لا تقوم في الحقيقة بالمهمة التي يريد لها الكاتب أن تقوم بها. إنها وثيقة تاريخية مهمة، نعم، لكنها ليست عصا سحرية تمحو كل التعقيدات التي سبقت توقيعها أو جاءت بعدها.
والأكثر إثارة أن المقال ينتقد المغرب لأنه يستخدم مفهوم “استرجاع” سبتة ومليلية، وكأن التاريخ لا يسمح إلا بالرواية التي تبدأ من لحظة وصول البرتغاليين إلى سبتة سنة 1415. لكن لماذا تبدأ القصة من هناك تحديداً؟ ولماذا لا يُطرح السؤال الأوسع حول طبيعة العلاقات السياسية والترابية التي كانت قائمة في شمال إفريقيا قبل تشكل الحدود والمفاهيم الحديثة للدولة والسيادة بالشكل الذي نعرفه اليوم؟
إن اختزال تاريخ المنطقة في عبارة مفادها أن البرتغال احتلت سبتة سنة 1415 ثم آلت إلى إسبانيا، وبالتالي انتهى النقاش، هو بدوره نوع من الانتقائية التاريخية التي ينتقدها المقال نفسه. فالتاريخ المغربي لا يبدأ في 1415، كما أن تاريخ شمال إفريقيا لا يمكن قراءته فقط من خلال الوثائق الأوروبية التي أعقبت التوسع الاستعماري.
ثم يأتي المقال ليقدم الجغرافيا باعتبارها حجة غير كافية للمطالبة بسبتة ومليلية، مستشهداً بأن البرتغال لا تصبح جزءاً من إسبانيا لمجرد أنها تقع في شبه الجزيرة الإيبيرية. وهي مقارنة تبدو ذكية للوهلة الأولى، لكنها لا تحسم شيئاً في جوهر القضية؛ لأن المغرب لا يستند في موقفه إلى الجغرافيا وحدها، بل إلى قراءة تاريخية وسياسية متكاملة تعتبر المدينتين جزءاً من المجال الترابي المغربي، فضلاً عن كون مسألة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي وتصفية الاستعمار لها سياق مختلف عن مجرد مقارنة حدود دولتين أوروبيتين متجاورتين.
والأغرب أن المقال يطالب مدريد بمواجهة “الشعارات” بالوثائق، وهي دعوة يمكن الترحيب بها من حيث المبدأ. لكن إذا كانت الوثائق هي الحكم، فمن الطبيعي أن يكون السؤال: أي وثائق؟ ومن يقرأها؟ وفي أي سياق تاريخي؟ وهل تكفي معاهدة ثنائية من القرن التاسع عشر وحدها لتحديد الوضع القانوني والسياسي في القرن الحادي والعشرين؟
هنا تحديداً يصبح النقاش أكثر جدية من مجرد ترديد عبارات “السيادة الكاملة” و”التنازل” و”الاسترجاع”. فالقانون الدولي الحديث له مفاهيمه وتطوراته ومؤسساته، والنزاعات الترابية لا تُحسم بمجرد العثور على بند قديم في أرشيف دبلوماسي، وإلا لتحولت الخريطة العالمية إلى معرض مفتوح لإعادة فتح كل الاتفاقيات القديمة، ولكانت عواصم العالم منشغلة يومياً بإعادة رسم الحدود وفق وثائق عمرها مئات السنين.
المقال يحاول أيضاً الإيحاء بأن المغرب يتجاهل معاهدة واد راس، بينما الواقع أن وجود الوثيقة لا يعني بالضرورة الاتفاق على تفسيرها أو على آثارها القانونية الحالية. وهذه نقطة جوهرية. فالخلاف ليس حول وجود الورقة، بل حول ما الذي تثبته بالضبط، وما هي حدود أثرها، وكيف ينبغي وضعها ضمن السياق التاريخي والقانوني الأشمل.
أما بالنسبة إلى مليلية، فإن محاولة جعل واد راس عنواناً مركزياً في القضية تبدو أكثر تعقيداً، لأن المقال نفسه يقر بأن المعاهدة تتضمن ترتيبات مرتبطة باتفاقات سابقة تخص مليلية، ولا يمكن اختزال تاريخ المدينة كله في وثيقة واحدة. لذلك فإن العنوان الذي يتحدث عن كون واد راس “مفتاحاً” للسيادة الإسبانية على سبتة ومليلية يبدو أكبر بكثير من قدرة المعاهدة نفسها على تحمل هذا الدور.
واللافت أن المقال يطالب المغرب بإثبات أن سبتة ومليلية كانتا جزءاً من “الدولة المغربية” بصيغتها الحديثة حتى يمكن الحديث عن استرجاعهما. وهنا يقع الكاتب في مشكلة تاريخية معروفة: إسقاط مفهوم الدولة الوطنية الحديثة بحدوده ومؤسساته القانونية على كيانات سياسية سابقة بالطريقة نفسها ليس أمراً بسيطاً. فالدول والسلطنات والحدود ومفهوم السيادة تغيرت عبر القرون، ولا يمكن التعامل مع القرن الخامس عشر أو السادس عشر كما لو أنه نسخة مبكرة من نظام الدولة القومية في القرن الحادي والعشرين.
ومع ذلك، فإن أقوى ما يمكن استخلاصه من المقال ليس أنه اكتشف “وثيقة حاسمة” ضد المغرب، بل أنه يكشف حجم القلق الذي ما زال يرافق النقاش الإسباني حول المدينتين المحتلتين. فلو كانت المسألة محسومة بصورة لا تقبل النقاش كما يوحي المقال، فما الحاجة إلى العودة باستمرار إلى معاهدات عمرها أكثر من قرن ونصف، وإلى البحث في الأرشيف عن كل عبارة يمكن استخدامها في مواجهة الخطاب المغربي؟
إن واد راس وثيقة تاريخية، وهذا أمر لا يحتاج إلى مبالغة. لكنها ليست شهادة ملكية عقارية تخرجها مدريد من خزنة قديمة لتقول: “انتهى النقاش”. التاريخ أكثر تعقيداً من ذلك، والسياسة أكثر تعقيداً، والقانون الدولي أكثر تعقيداً.
والأهم أن المغرب لا يحتاج إلى الدخول في سباق لإنتاج رواية مضادة لكل فقرة في مقال إسباني، بقدر ما يحتاج إلى مواصلة بناء مقاربته التاريخية والقانونية والسياسية للملف، بعيداً عن الانفعال وبعيداً عن منطق “وثيقتنا أقوى من وثيقتكم”. فالقضايا الترابية الكبرى لا تُدار بمنطق المبارزة الصحفية، وإنما بالنفس الطويل، والبحث التاريخي، والدبلوماسية، وتراكم المواقف.
في النهاية، يبدو أن كاتب المقال أراد أن يقول إن “الوثائق تتحدث”، وهي عبارة صحيحة تماماً. لكن المشكلة أن الوثائق لا تتحدث وحدها؛ المؤرخون يفسرونها، والقانونيون يناقشون قيمتها، والسياسيون يوظفونها، والشعوب تقرأ تاريخها من زوايا مختلفة. ولذلك فإن إخراج معاهدة واد راس من أرشيف القرن التاسع عشر وتقديمها كأنها كلمة الفصل في قضية سبتة ومليلية المحتلتين قد يكون مفيداً للخطاب السياسي الإسباني، لكنه لا يحول الوثيقة التاريخية إلى حكم نهائي.
فالخلاف الحقيقي ليس حول ما إذا كانت واد راس موجودة؛ الجميع يعرف أنها موجودة. السؤال الأصعب هو: ماذا تثبت تحديداً، وما الذي لا تثبته، وكيف يمكن قراءة بنودها في ضوء تطور العلاقات المغربية الإسبانية والقانون الدولي؟ وهنا، على ما يبدو، تبدأ القصة الحقيقية… لا تنتهي.
27/08/2026