kawalisrif@hotmail.com

سبتة تغرق في الفوضى.. 80 ألف مهاجر دخلوا، 90 في المائة عادوا إلى المغرب ومدريد عاجزة عن معرفة من بقي!

سبتة تغرق في الفوضى.. 80 ألف مهاجر دخلوا، 90 في المائة عادوا إلى المغرب ومدريد عاجزة عن معرفة من بقي!

بعد أسابيع قليلة من الدخول الجماعي الذي هزّ سبتة المحتلة، بدأت صورة الأزمة تتغير بشكل لافت، بعدما كشفت معطيات جديدة أن ما بين 50 و100 مهاجر يغادرون المدينة يومياً عائدين إلى المغرب، سيراً على الأقدام وبشكل طوعي، في وقت تجد فيه الحكومة الإسبانية نفسها أمام واقع أكثر تعقيداً مما كانت تتوقعه، وسط عجز واضح عن تحديد العدد الحقيقي للمهاجرين الذين ما زالوا داخل المدينة.

وبحسب ما أوردته مصادر إعلامية إسبانية، فإن موجة العودة اليومية تأتي في ظل تدهور ظروف عيش عدد من المهاجرين الذين ظلوا عالقين في سبتة منذ الدخول الجماعي نهاية يوليوز. وتشير المصادر إلى أن أكثر من 80 ألف شخص وصلوا إلى المدينة خلال اليومين الأخيرين من يوليوز، قبل أن يعود أكثر من 90 في المائة منهم، وفق تصريحات وزير السياسة الإقليمية الإسباني أنخيل فيكتور توريس.

المفارقة اللافتة أن الحكومة الإسبانية لا تملك، بعد مرور قرابة شهر، رقماً دقيقاً لعدد المهاجرين الذين لا يزالون داخل سبتة. فبينما تتحدث السلطات المحلية عن وجود ما بين 8 آلاف و10 آلاف مهاجر غير نظامي، تقدر الحكومة المركزية العدد بحوالي 5 آلاف شخص، اعتماداً أساساً على عدد الوجبات التي تقدمها المنظمات غير الحكومية يومياً. وبين الرقمين، تبدو الدولة الإسبانية عاجزة حتى عن الإمساك بالعداد، في أزمة كان يفترض أن تكون تحت السيطرة.

وتؤكد المصادر الحكومية الإسبانية أن وتيرة العودة إلى المغرب أصبحت مستمرة، إذ يغادر عشرات الأشخاص يومياً، بعضهم سيراً على الأقدام، فيما عاد آخرون على متن حافلات وفرتها السلطات المغربية. ويبدو أن الواقع داخل المدينة دفع عدداً من المهاجرين إلى إعادة حساباتهم، بعدما وجدوا أنفسهم في شوارع وشواطئ وحدائق، من دون ظروف إيواء مستقرة أو إمكانات كافية لتوفير احتياجاتهم الأساسية.

وتكشف المعطيات أن المنظمات غير الحكومية أصبحت أمام عبء ثقيل لتوفير الطعام، بينما تواجه الخدمات العمومية ضغطاً كبيراً، في ظل محدودية أماكن الإقامة التي خصصتها الحكومة الإسبانية. كما اضطرت قوات الأمن إلى التدخل في أكثر من مناسبة لإبعاد مهاجرين من شاطئ إل ترامبولين، قبل نقل بعضهم إلى مراكز استقبال مؤقتة في لوما مارغريتا ولوما كولمينار، غير أن عدداً منهم عادوا مجدداً إلى الشاطئ.

وفي تطور يعكس حجم المأزق، أعلنت الحكومة الإسبانية لأول مرة “وضعية تهم الأمن الوطني” في سبتة، على الأقل إلى غاية 31 دجنبر المقبل، مع إنشاء قيادة موحدة تضم 11 وزارة وحكومة سبتة وأجهزة أمنية واستخباراتية. خطوة تبدو أقرب إلى محاولة متأخرة لترميم إدارة أزمة خرجت منذ البداية عن نطاق التدبير العادي.

والأكثر إثارة أن الحكومة الإسبانية نفسها أقرت بأن ما وقع أصبح يؤثر في السير الطبيعي للإدارات العمومية، ويتجاوز قدراتها الاعتيادية في مجالات التدبير والاستقبال والمساعدة والأمن. وهو اعتراف رسمي بأن قصة “الاستقبال المؤقت” تحولت إلى أزمة طويلة الأمد، وأن المدينة الصغيرة لم تعد قادرة على تحمل أعداد كبيرة من الوافدين في ظل محدودية بنيتها التحتية وإمكاناتها.

وفي الوقت الذي تسعى فيه مدريد إلى إيجاد حلول قانونية لإعادة من تبقى من المهاجرين، تصطدم بخطوات إدارية وقضائية قد تجعل العملية تمتد لأشهر. فكل شخص في وضعية غير نظامية يحتاج إلى تحديد هويته وفتح ملف خاص به، مع ضمان حقه في الدفاع والاستعانة بمحام ومترجم عند الحاجة، قبل أن تقرر السلطات فرض غرامة أو إصدار قرار بالترحيل.

وهنا تكمن إحدى أكبر مشكلات الحكومة الإسبانية: الرغبة السياسية في تسريع الإعادة تصطدم بإجراءات قانونية لا تسمح بإعادة جماعية فورية. فالحكومة تقول إنها تريد إعادة الجميع “وفقاً للقانون”، لكن القانون نفسه يفرض مساطر فردية قد تستغرق وقتاً طويلاً، خصوصاً إذا لجأ المعنيون إلى القضاء أو تقدموا بطلبات لجوء.

كما أن الإصلاحات التي أقرتها الحكومة الإسبانية لتعديل قانون الأجانب وإعداد قانون جديد للجوء لن تقدم حلاً سريعاً للأزمة الحالية، لأنها تحتاج إلى أشهر قبل دخولها حيز التنفيذ. وبذلك تجد مدريد نفسها مضطرة إلى التعامل مع عشرات الآلاف من الحالات التي دخلت خلال أيام قليلة، باستخدام منظومة إدارية صُممت أساساً للتعامل مع أعداد أقل بكثير.

أما المغرب، فيظهر في هذه الأزمة باعتباره الطرف الذي يستقبل جزءاً مهماً من موجة العودة، سواء بشكل فردي أو عبر حافلات وفرتها السلطات المغربية. وبينما تستمر بعض الأصوات الإسبانية في تقديم ملف الهجرة باعتباره عبئاً أمنياً وسياسياً، تكشف الوقائع أن تدبير هذه الأزمة لا يمكن أن يتم بمعزل عن التعاون مع المغرب، باعتباره الجار المباشر والطرف الأساسي في معادلة الحدود والهجرة في المنطقة.

واللافت أيضاً أن وصول المهاجرين إلى سبتة أصبح شبه منعدم منذ نهاية يوليوز، ما يعني أن الأزمة لم تعد مرتبطة بتدفق جديد، بل أصبحت مرتبطة أساساً بكيفية تدبير آثار موجة الدخول السابقة. فالمشكلة التي تواجهها مدريد اليوم ليست كيفية منع عشرات الآلاف من الوصول، وإنما كيفية معرفة من بقي، وأين يوجد، وكيف سيتم التعامل معه قانونياً وإنسانياً وأمنياً.

وبينما تستمر الحكومة الإسبانية في تشكيل اللجان والقيادات الموحدة وإعادة ترتيب القوانين، تتحول سبتة إلى مرآة لأزمة أكبر من مجرد ملف هجرة. مدينة صغيرة وجدت نفسها أمام أعداد هائلة خلال فترة وجيزة، وإدارة تعترف بأن قدراتها استُنزفت، ومهاجرون بدأ بعضهم يختار العودة إلى المغرب بعدما اكتشف أن الوصول إلى سبتة لا يعني بالضرورة الوصول إلى حياة أفضل.

وفي النهاية، تبدو المفارقة صارخة: أكثر من 80 ألف شخص دخلوا خلال أيام، وأكثر من 90 في المائة منهم عادوا، وعشرات آخرون يغادرون يومياً، بينما لا تزال الحكومة الإسبانية تبحث عن الرقم الحقيقي لمن بقي. وبينما كان يفترض أن تكون سبتة واجهة للسيطرة الأوروبية على الحدود، تحولت الأزمة إلى اختبار قاسٍ لقدرة مدريد على إدارة ما حدث. فحين تعجز الدولة عن معرفة عدد الموجودين على أراضيها بعد أسابيع من دخولهم، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: كم بقي منهم؟ بل كيف وصلت الأزمة أصلاً إلى هذا الحجم دون أن تكون لدى الدولة خطة واضحة لليوم التالي؟

27/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts