في واقعة تكشف حجم الارتباك الذي رافق تدبير أزمة الهجرة في جيب سبتة المحتلة، اضطرت السلطات الإسبانية إلى مراجعة الرقم الذي قدمته في البداية بشأن عدد القاصرين المهاجرين الذين جرى تحديد هوياتهم، بعدما تبين أن الرقم المعلن سابقاً، والمحدد في نحو 2.900 قاصر، لم يكن يعكس العدد الحقيقي للأشخاص، بل كان يتضمن ملفات وإجراءات مكررة للقاصر نفسه.
وبعد عملية “تنقية” للبيانات الإلكترونية، تراجعت الحصيلة إلى نحو 1.500 قاصر، فيما تحدثت قيادة العمليات الموحدة عن رقم أكثر تحديداً يبلغ 1.410 قاصرين. أي أن ما يقارب 1.400 “قاصر” اختفوا من الإحصاء دون أن يغادروا جيب سبتة المحتلة، ودون أن تعبر بهم أي سفينة أو حافلة، بل اختفوا ببساطة من شاشة الحاسوب بعدما اكتشفت سلطات الاحتلال أن بعض الإجراءات المتعلقة بالشخص نفسه كانت تُسجل وكأنها ملفات جديدة.
المفارقة أن الرقم الأول لم يكن مجرد رقم عابر في حديث صحفي، بل صدر عن مسؤول حكومي رفيع. فقد أعلن نائب رئيس الحكومة الأول ووزير الاقتصاد كارلوس كويربو أن عدد القاصرين الذين تم التعرف عليهم في سبتة المحتلة تجاوز 2.900 بقليل، قبل أن تأتي عملية التدقيق لتضع هذا الرقم أمام اختبار بسيط: افتحوا الملفات مرة أخرى وعدّوا الأشخاص، لا الأوراق.
وهكذا، تحولت أزمة إنسانية وسياسية وأمنية إلى ما يشبه ورشة ضخمة لمراجعة جداول البيانات. فبينما كان جيب سبتة المحتلة يعيش على وقع تدفق آلاف الأشخاص، كانت الإدارة الإسبانية تواجه تحدياً آخر لا يقل غرابة: كم شخصاً يوجد فعلاً، وكم مرة تم تسجيل الشخص نفسه؟
السلطات الإسبانية أوضحت أن الرقم الجديد، في حدود 1.500، يشمل أيضاً القاصرين الموجودين أصلاً تحت حماية خدمات الطفولة في المدينة قبل موجة الدخول الجماعي التي شهدها جيب سبتة المحتلة في 30 يوليوز. كما أكدت أن العدد قد يرتفع خلال الأيام المقبلة مع استكمال إجراءات تحديد الهوية وتوحيد الملفات.
لكن المشكلة لا تتعلق فقط بفارق رقمي بين 2.900 و1.500، بل بصورة أكبر بكثير: كيف أمكن أن يصبح رقم بهذا الحجم هو الرقم الرسمي المتداول قبل أن تكتشف الإدارة أن جزءاً مهماً منه ناتج عن تكرار الإجراءات؟ إذا كان الأمر مجرد خلل تقني، فالسؤال المنطقي هو: كم رقماً آخر في هذه الأزمة يحتاج إلى “تنظيف” قبل أن يصبح قابلاً للتصديق؟
الأغرب أن السلطات الإسبانية تتحدث في الوقت نفسه عن ضرورة الإسراع في معالجة الملفات، وعن وضعية “حرجة” تستدعي التحرك العاجل، بينما تكشف عملية التدقيق أن جزءاً من الاستعجال كان يجري فوق قاعدة بيانات تحتاج هي نفسها إلى التدقيق.
وفي سبتة المحتلة، حيث تحولت أزمة الهجرة إلى ملف سياسي وأمني بامتياز، يصبح للرقم قيمة تتجاوز الحسابات الإدارية. فكل رقم يُعلن للرأي العام يمكن أن يتحول إلى حجة سياسية، وكل تضخيم غير مقصود يمكن أن يرسم صورة مختلفة تماماً عن حجم الأزمة، ثم تأتي عملية التصحيح لتعيد المشهد إلى حجمه الحقيقي.
وهكذا، وبينما كانت سبتة المحتلة تُقدَّم للرأي العام وكأنها تقف أمام طوفان بشري لا سابق له، جاء تدقيق الملفات ليكشف أن جزءاً من هذا “الطوفان” كان موجوداً داخل أجهزة الحاسوب أكثر مما كان موجوداً على الأرض. اختفى نحو 1.400 من الحسابات، وبقي السؤال الحقيقي معلقاً في الهواء: إذا كان الرقم قد أخطأ بهذا الحجم في العدّ، فكم من الحقائق الأخرى تحتاج إلى عملية “تنظيف” قبل أن تظهر كما هي؟ في جيب سبتة المحتلة، لم تعد المفاجأة في عدد القادمين فقط، بل في عدد المرات التي يمكن أن يُعاد فيها احتساب الشخص نفسه قبل أن تكتشف الإدارة أن الأزمة، أحياناً، تبدأ من الرقم قبل أن تبدأ من الواقع.
26/08/2026