في الوقت الذي تتسابق فيه الموانئ المتوسطية على استقطاب خطوط الملاحة العالمية وحجز مواقع متقدمة داخل سلاسل التجارة الدولية، تأتي تعبئة 212 مليار سنتيم لتمويل محطة الحاويات بالرصيف الشرقي لميناء الناظور غرب المتوسط، لتؤكد أن المشروع تجاوز مرحلة الورش الضخم وأصبح رهانًا اقتصاديًا واستراتيجيًا تتقاطع فيه مصالح المال والتجارة واللوجستيك والجغرافيا.
التمويل الذي حشده تحالف مصرفي مغربي يضم التجاري وفا بنك والبنك الشعبي المركزي وبنك أفريقيا، يشكل إشارة قوية إلى دخول مشروع الناظور غرب المتوسط مرحلة أكثر حساسية، عنوانها الانتقال من البناء إلى الاستعداد للتشغيل وفرض موقعه على خارطة الموانئ المتوسطية. ويأتي ذلك بالتزامن مع اقتراب تشغيل القسم الأول من محطة الحاويات خلال الربع الأخير من سنة 2026، وفق المعطيات الواردة في المصدر.
ولا يتعلق الأمر بمبلغ عابر في حسابات الاستثمار، فـ212 مليار سنتيم تمثل نحو 78 في المائة من الكلفة الإجمالية للقسم الأول من المحطة، فيما تصل الكلفة الإجمالية لهذا القسم إلى حوالي 273 مليار سنتيم. كما يمتد التمويل على مدى 15 سنة في إطار تمويل مشاريع، ما يعكس حجم الرهان المالي على قدرة هذه المنشأة على تحقيق عائدات مستدامة وترسيخ مكانتها كمنصة لوجستية وتجارية على المتوسط.
واجتماع ثلاثة من أبرز الأبناك المغربية لتمويل محطة مينائية بهذا الحجم يعني أن الرهان لم يعد محصورًا في الجهات المشرفة على المشروع، بل أصبح القطاع البنكي نفسه طرفًا أساسيًا في معادلة تطوير البنية التحتية الاستراتيجية للمملكة. فالموانئ الحديثة لم تعد مجرد أرصفة ترسو فيها السفن، وإنما منصات اقتصادية متكاملة تتحكم في تدفقات البضائع، وتربط المناطق الصناعية بالأسواق العالمية، وتعيد توزيع الاستثمارات على امتداد محيطها.
لسنوات طويلة، ظلت قلعية الناظور، قطب جهة الشرق المغربي، تبحث عن مشروع قادر على تحويل موقعها الجغرافي من هامش اقتصادي إلى نقطة عبور استراتيجية. واليوم، يظهر الناظور غرب المتوسط كأحد أبرز المشاريع القادرة على لعب هذا الدور، بفضل موقعه على المتوسط وإمكاناته في ربط أوروبا وإفريقيا وآسيا، فضلًا عن المنظومة اللوجستية والصناعية المرتبطة به، والتي تمنحه مقومات التحول إلى منصة اقتصادية تتجاوز بكثير وظيفة الميناء التقليدية.
لكن الاختبار الحقيقي يبدأ بعد اكتمال الأشغال، لأن بناء الميناء شيء، ونجاحه التجاري شيء آخر. فالبحر الأبيض المتوسط يضم موانئ عملاقة تمتلك خبرة طويلة وشبكات دولية راسخة، وفي مقدمتها طنجة المتوسط، إلى جانب موانئ إسبانية وإيطالية وفرنسية وغيرها. لذلك لن يكون الرهان في عدد الرافعات والأرصفة فقط، وإنما في قدرة الناظور غرب المتوسط على استقطاب السفن وخطوط الملاحة والمستثمرين وشركات الخدمات اللوجستية.
ولا يتعلق الأمر بالضرورة بمنافسة طنجة المتوسط في كل المجالات، بقدر ما يمكن أن يتحول الناظور غرب المتوسط إلى حلقة جديدة داخل منظومة موانئ مغربية متكاملة. فإذا نجح في ترسيخ موقعه على خطوط التجارة الدولية، فإنه سيمنح المملكة واجهة إضافية على شرق المتوسط، ويساهم في توزيع حركة التجارة والاستثمار على أكثر من نقطة استراتيجية، ويعزز قدرة المغرب على مواكبة التحولات المتسارعة التي تعرفها سلاسل الإمداد العالمية.
وبالنسبة إلى جهة الشرق، فإن السؤال الأكبر لن يكون فقط: كم عدد الحاويات التي ستدخل وتخرج من الميناء؟ بل سيكون أيضًا: كم عدد المشاريع التي ستنشأ حوله؟ فنجاح الناظور غرب المتوسط يفترض أن ينعكس على قطاعات النقل والتخزين والمناولة والصناعة والخدمات واللوجستيك، وأن يتحول الميناء إلى قاطرة اقتصادية تمتد آثارها إلى الناظور والدريوش ووجدة وباقي أقاليم جهة الشرق.
فالميناء وحده لا يصنع التنمية، وإنما المنظومة الاقتصادية التي تنشأ حوله هي التي تمنحه قيمته الحقيقية. ولهذا ستكون السنوات المقبلة حاسمة بالنسبة إلى الناظور والشرق عمومًا، لأن الرهان يتمثل في تحويل هذه البنية التحتية البحرية إلى شبكة واسعة من الأنشطة والاستثمارات وفرص الشغل، بدل أن يبقى المشروع مجرد منشأة عملاقة على الساحل. وهنا تحديدًا ستظهر قدرة المنطقة على استثمار موقعها وتحويله إلى قوة اقتصادية حقيقية.
ومع تعبئة 212 مليار سنتيم واقتراب موعد تشغيل القسم الأول من محطة الحاويات، يدخل الناظور غرب المتوسط منعطفًا جديدًا. لقد تراجع سؤال “هل سيُبنى الميناء؟” إلى الخلف، وبرز مكانه سؤال أكثر صعوبة وإثارة: “هل يستطيع هذا العملاق أن يصبح لاعبًا حقيقيًا في لعبة الموانئ المتوسطية؟” والإجابة لن تصنعها التصريحات، وإنما ستحددها السفن والحاويات والاستثمارات التي ستختار أرصفته.
وقد لا يكون الناظور غرب المتوسط مجرد ميناء جديد على خارطة المغرب، بل بداية فصل مختلف تمامًا في قصة جهة الشرق والريف معًا. فحين تتحول 212 مليار سنتيم إلى رافعات وسفن وحاويات واستثمارات، لن يعود السؤال: متى سيشتغل الميناء؟ بل سيصبح: ماذا سيحدث عندما يبدأ “تنين المتوسط” في ابتلاع المزيد من حركة التجارة وفرض نفسه على خريطة الملاحة الإقليمية؟ وحين تشتعل أضواء أول سفينة على رصيف الناظور، قد يدرك كثيرون أن ما كان يُنظر إليه لسنوات كمشروع بعيد لم يكن سوى موعد مؤجل مع المستقبل… وأن العد التنازلي قد بدأ بالفعل.
26/08/2026