44 هكتارًا بطريق العونية، ومبلغ ضخم يصل إلى مليار و200 مليون، ومعاملة عقارية تطرح أسئلة ثقيلة حول مسار الملكية وطريقة أداء الثمن، والأهم حول طبيعة الأصول التي استُعملت لتسوية الجزء الأكبر من قيمة الصفقة. وبحسب مصادر مطلعة ووثائق تتوفر عليها جريدة “كواليس الريف” ، تعود ملكية الأرض في الأصل إلى سعيد شباط قبل وفاته، قبل أن تنتقل إلى زوجته التي قامت ببيعها إلى أبناء الغازي، ليقوم هؤلاء لاحقًا ببيع الـ44 هكتارًا إلى المقاول المثير للجدل صلاح الدين المومني مقابل مبلغ إجمالي قدره مليار و200 مليون.
في ظاهر الأمر، هي صفقة بيع وشراء عقارية، لكن تفاصيل الأداء تجعل الملف أبعد بكثير من مجرد انتقال ملكية من طرف إلى آخر. فبحسب المصادر نفسها، لم يُؤدَّ كامل المبلغ نقدًا، إذ لم يتجاوز الأداء النقدي حوالي 300 مليون، بينما جرى تسوية ما يقارب مليار كامل بواسطة منازل فردية وإعادة اقتناء، إضافة إلى شقق وعقارات بالسعيدية ورأس الماء.
وهنا تحديدًا يبدأ السؤال الحقيقي: إذا كان ثمن الـ44 هكتارًا مليارًا و200 مليون، فمن دفع هذا المبلغ فعليًا؟ وبأي أصول تمت تسوية ما يقارب مليار كامل؟
المصادر المطلعة تشير إلى أن العقارات التي دخلت في عملية المقاصة لم تكن كلها أملاكًا عادية خالية من أي التزام، بل إن جزءًا منها يرتبط، بحسب المعطيات المتوفرة، بمشاريع وجمعيات وبحقوق لفائدة منخرطين. والأكثر حساسية أن وثائق ومعطيات تتوفر عليها الجريدة تشير إلى أن عددًا من المنازل والشقق كان موضوع حجوزات مرتبطة بالجمعيتين اللتين كان يرأسهما مصطفى بوسنينة.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن لعقارات مرتبطة بحقوق منخرطين، أو موضوع حجوزات، أن تدخل في عملية مقاصة لتسوية ثمن صفقة عقارية أخرى؟ ومن كان يملك حق التصرف فيها؟ وهل كانت هناك موافقات قانونية تسمح بإدخالها في هذه المعاملة؟ ومن ضمن، في المقابل، عدم المساس بحقوق أصحابها؟
المقاصة، في حد ذاتها، ليست مخالفة ولا جريمة، وهي وسيلة معروفة لتسوية الالتزامات متى توفرت شروطها القانونية. لكن جوهر المسألة هنا لا يتعلق باسم العملية، بل بطبيعة الأصول المستعملة فيها. فإذا كانت هذه الأصول مملوكة ملكية حرة وقابلة للتفويت، فذلك شأن. أما إذا كانت محملة بحقوق الغير أو حجوزات أو التزامات، أو كان التصرف فيها مقيدًا قانونًا، فهنا تبدأ الأسئلة التي لا يمكن إسكاتها بمجرد القول إن العملية تمت عن طريق المقاصة.
فإذا كان ثمن الـ44 هكتارًا هو مليارًا و200 مليون فقط ، ولم يُدفع نقدًا سوى حوالي 300 مليون، فإن الجزء الأكبر من قيمة الصفقة، أي ما يقارب مليارًا كاملًا، تمت تسويته بعقارات ومنازل وشقق. وبالتالي، لا يكفي القول إن الثمن أُدي، بل المطلوب معرفة ما هي الأصول التي عوضت هذا المبلغ، ومن كان يملكها، وما قيمتها الحقيقية، وما وضعيتها القانونية، وهل كانت قابلة للتفويت وقت إدخالها في الصفقة؟
والأكثر إثارة أن مصادر مطلعة تتحدث عن معاملات أخرى جرى فيها اللجوء إلى الأسلوب نفسه، أي تسوية أثمان عقارات أو أصول بواسطة منازل أو سيارات أو ممتلكات أخرى بدل الأداء النقدي الكامل.
وهنا ينتقل الملف من صفقة واحدة إلى سؤال أكبر بكثير: هل نحن أمام معاملات منفردة، أم أمام أسلوب متكرر في تدبير الصفقات وتسوية الأثمان؟
فإذا كانت الأصول تنتقل من صفقة إلى أخرى لتغطية أثمان معاملات جديدة، فإن الأمر يستحق تدقيقًا كاملًا في كل حلقة: من أين جاءت الأصول في البداية؟ من اقتناها؟ بأي مقابل؟ من كان يملكها عند استعمالها في المقاصة؟ وكيف جرى تقييمها؟ وهل كانت خالية من الحقوق والحجوزات والالتزامات؟
لأن تدوير الأصول بين المعاملات، إذا ثبت حدوثه بهذه الطريقة، قد يجعل العقار ينتقل من كونه أصلًا اقتصاديًا واضحًا إلى أداة لتسوية سلسلة من المعاملات المتلاحقة، فتنتقل معه الحقوق والالتزامات والمخاطر من طرف إلى آخر، بينما قد يجد أصحاب الحقوق الأصليون أنفسهم أمام شبكة معقدة من العقود والمقاصات يصعب معها تحديد المسؤوليات والآثار المالية والقانونية لكل عملية.
والأكثر حساسية أن تكون بعض الأصول المستعملة في هذه السلسلة مرتبطة بحقوق منخرطين أو مثقلة بحجوزات. ففي هذه الحالة، لا يعود السؤال مجرد خلاف تجاري بين بائع ومشترٍ، وإنما يصبح السؤال الجوهري: هل كان من يقدم تلك الأصول يملك أصلًا الحق القانوني في التصرف فيها؟
ومن هنا، فإن الحسم في هذا الملف لا يحتاج إلى روايات متضاربة ولا إلى تبريرات عامة، بل إلى الوثائق. عقود البيع، مصادر الأداء، سجلات الملكية، وضعية الحجوزات، محاضر الجمعيات، وثائق التفويت، وكيفية تقييم المنازل والشقق والعقارات التي احتُسبت ضمن قيمة مليار و200 مليون، كلها كفيلة بتحديد حقيقة ما جرى.
فالوثائق وحدها تستطيع الإجابة عن السؤال الذي يزداد إلحاحًا: هل دُفعت قيمة الـ44 هكتارًا بأموال فعلية، أم جرى تعويض الجزء الأكبر منها بأصول جرى تدويرها بين معاملات مختلفة؟
وإذا كانت جميع العمليات سليمة، وقابلة للتبرير قانونيًا ومحاسباتيًا، فإن كشف الوثائق من شأنه أن يضع حدًا للتساؤلات. أما إذا كشفت الوثائق أن عقارات مرتبطة بحقوق الغير أو محملة بحجوزات استُعملت فعلًا لتسوية ثمن الصفقة، فإن الأمر سيتجاوز بكثير حدود صفقة عقارية بمليار و200 مليون، ليصبح ملفًا يحتاج إلى افتحاص دقيق لكل حلقة فيه، من مصدر الأصول إلى طريقة تقييمها، ومن صاحب الحق فيها إلى المستفيد النهائي من استعمالها.
ومن باب المسؤولية المهنية، تبقى الجريدة مستعدة لنشر أي توضيحات أو وثائق أو معطيات مضادة من الأطراف المعنية، لأن الحسم في مثل هذه الملفات لا يكون بالانطباعات، وإنما بالوثائق.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي لا يمكن دفنه تحت العقود والمقاصات: من دفع؟ من استفاد؟ من كان يملك؟ من كان يملك حق التصرف؟ ومن سيتحمل الثمن إذا تبين أن بعض الأصول التي أُدخلت في الصفقة لم تكن ملكًا حرًا لمن قدمها؟
29/08/2026