مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية، يعود إقليم بركان إلى واجهة النقاش السياسي، وسط سباق متصاعد بين المرشحين واللوائح الانتخابية، وتنافس واضح على استمالة أصوات الناخبين من خلال برامج ووعود تلامس مختلف القطاعات.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه مع كل استحقاق انتخابي لا يرتبط فقط بحجم الوعود، وإنما بمدى ارتباطها بالواقع اليومي للساكنة، وبقدرة أصحابها على تحويلها، في حال الوصول إلى المؤسسات، إلى مشاريع وإجراءات قابلة للتنفيذ.
فخلال الحملات الانتخابية السابقة، حضرت بقوة شعارات من قبيل جعل بركان قطباً اقتصادياً، وتطوير السعيدية كوجهة سياحية، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص الشغل، ودعم الفلاحة، وتحسين الخدمات الأساسية. وهي عناوين ما تزال حاضرة اليوم في الخطاب الانتخابي، وإن كانت بدرجات متفاوتة بين مرشح وآخر.
لكن في المقابل، لا تزال مجموعة من الملفات تفرض نفسها على النقاش المحلي، وفي مقدمتها التشغيل، والماء، والفلاحة، والبنية التحتية، والخدمات الصحية والتعليمية، إلى جانب سؤال التنمية السياحية بالسعيدية ومدى قدرتها على تجاوز الطابع الموسمي.
— السعيدية … من “واجهة سياحية” إلى سؤال الموسم
تُعد السعيدية من أبرز الأوراق التي تحضر في أي تصور تنموي خاص بإقليم بركان، بالنظر إلى مؤهلاتها السياحية وموقعها الجغرافي.
غير أن الطابع الموسمي للنشاط السياحي يظل من أبرز التحديات المطروحة، إذ يرتفع النشاط خلال فصل الصيف قبل أن يتراجع بشكل لافت خلال باقي أشهر السنة.
وهنا يبرز سؤال أساسي أمام المرشحين: ما هي التصورات العملية التي يمكن اعتمادها لتحويل السعيدية إلى وجهة سياحية نشطة على مدار السنة، بما يضمن استثمارات مستدامة وفرص شغل دائمة، وليس فقط انتعاشاً موسمياً؟
— التشغيل … الملف الذي ينتظر إجابات عملية
يحتل التشغيل موقعاً متقدماً ضمن انتظارات الشباب، خصوصاً في ظل محدودية فرص الشغل التي يوفرها الاقتصاد المحلي مقارنة بحجم الطموحات.
وتطرح هذه الوضعية تحدياً أمام المرشحين الذين يرفعون شعار خلق فرص العمل وجذب الاستثمارات، إذ ينتظر الناخبون معرفة طبيعة المشاريع التي يقترحونها، ومصادر تمويلها، والقطاعات التي يمكن أن تستوعب اليد العاملة المحلية.
فالشعارات المتعلقة بخلق آلاف مناصب الشغل تحتاج، بحسب متابعين، إلى برامج دقيقة تحدد القطاعات المستهدفة والآليات والآجال، بدل الاكتفاء بأرقام عامة يصعب تقييمها لاحقاً.
— الفلاحة … قطاع استراتيجي يواجه تحديات متزايدة
ولا يمكن الحديث عن مستقبل بركان دون التوقف عند القطاع الفلاحي، الذي يشكل أحد أعمدة الاقتصاد المحلي.
غير أن الفلاحين يواجهون تحديات متعددة، من بينها تقلب أسعار المنتجات، وارتفاع تكاليف الإنتاج، والإكراهات المرتبطة بالماء، فضلاً عن صعوبات التسويق والنقل في بعض المناطق.
وتبقى المطالب المرتبطة بتثمين المنتجات المحلية، وتحسين سلاسل التسويق، ودعم الفلاحين، وتطوير أساليب تدبير الموارد المائية، من الملفات التي ينتظر أن تحضر بقوة في البرامج الانتخابية المقبلة.
— البنية التحتية والخدمات.. الاختبار الحقيقي
وفي الوقت الذي تتحدث فيه البرامج الانتخابية عن مشاريع كبرى واستثمارات جديدة، تظل مطالب مرتبطة بالحياة اليومية حاضرة في عدد من مناطق الإقليم، من تأهيل الطرق والمسالك، وتحسين الإنارة، وتعزيز خدمات التطهير، إلى تطوير المؤسسات الصحية والتعليمية.
وهنا تحديداً يبرز الفرق بين البرنامج الذي يكتفي بعناوين عامة، والبرنامج الذي يقدم أولويات واضحة ومشاريع محددة يمكن للناخب متابعتها ومساءلة المنتخب بشأنها.
— هل تتغير طريقة إدارة الانتخابات؟
المسألة لا تتعلق فقط بالمرشحين وبرامجهم، بل أيضاً بطريقة تعامل الناخبين مع الوعود الانتخابية.
فالانتخابات، وفق منطق المساءلة الديمقراطية، لا تنتهي بإعلان النتائج، وإنما يفترض أن تشكل بداية مرحلة جديدة يتم خلالها تتبع مدى تنفيذ الالتزامات التي قدمها المرشحون خلال الحملة.
ومن هنا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه في بركان لا يتعلق فقط بمن سيحتل المرتبة الأولى أو بمن سيتمكن من الظفر بالمقاعد البرلمانية، بل أيضاً بما إذا كانت المنافسة الانتخابية ستنتقل من سباق الوعود إلى سباق البرامج الواقعية القابلة للتنفيذ.
— بركان أمام اختبار جديد
مع اقتراب موعد الاقتراع، تبدو الساحة الانتخابية في بركان مفتوحة على منافسة قد تكون قوية، خصوصاً مع تعدد الأسماء والطموحات السياسية.
لكن الناخب البركاني سيكون، في نهاية المطاف، أمام مجموعة من البرامج والوعود، وسيكون عليه أن يقارن بينها على أساس ما تقدمه من حلول عملية لملفات التشغيل، والفلاحة، والسياحة، والبنية التحتية، والتعليم والصحة.
وبينما يسعى كل مرشح إلى تقديم نفسه باعتباره القادر على إحداث التغيير، يبقى الاختبار الحقيقي بعد ظهور النتائج: هل تتحول الوعود الانتخابية إلى التزامات قابلة للقياس، أم تعود الملفات نفسها إلى الواجهة مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي المقبل؟
ذلك هو السؤال الذي ستجيب عنه السنوات المقبلة، وليس الحملات الانتخابية وحدها.
30/08/2026