بعد سنوات طويلة من الانقسام السياسي والمؤسساتي، تبدو ليبيا أمام فرصة جديدة قد تعيد رسم المشهد السياسي في البلاد، بعدما توصل ممثلون عن السلطات في شرق ليبيا وغربها إلى اتفاق برعاية الأمم المتحدة، يمهّد لتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية ووضع حد للازدواجية التي أنهكت مؤسسات الدولة وأبقت الليبيين أسرى صراع سياسي مفتوح.
الاتفاق الذي جرى توقيعه في العاصمة طرابلس يشكل خطوة سياسية لافتة، خصوصاً أنه يجمع ممثلين عن معسكرين ظلا لسنوات يتقاسمان النفوذ والسلطة، في بلد لم يتمكن منذ سنوات من الوصول إلى تسوية نهائية تعيد توحيد مؤسساته وتفتح الطريق أمام انتخابات وطنية شاملة.
وبحسب المعطيات المعلنة، فإن الاتفاق يضع ترتيبات لإعادة تشكيل مفوضية الانتخابات وإدخال تعديلات على الأطر القانونية والدستورية، بما يسمح بإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية توصف بالشاملة وذات المصداقية، على أن تتم العملية تحت سلطة تنفيذية واحدة خلال فترة لا تتجاوز 24 شهراً.
وتأتي هذه الخطوة في بلد يعيش منذ سنوات على وقع وجود سلطتين متنافستين؛ حكومة الوحدة الوطنية التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة وتتمركز في طرابلس، مقابل سلطات وقوات تسيطر على أجزاء واسعة من شرق البلاد بدعم من المشير خليفة حفتر، وهو الانقسام الذي حوّل المؤسسات الليبية إلى جزر سياسية متباعدة وأبقى الاستقرار رهيناً بالتوازنات العسكرية والسياسية.
المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيته اعتبرت الاتفاق ثمرة لمسار من المفاوضات بدأ في روما واستمر في تونس خلال الأشهر الماضية، في محاولة لبناء أرضية توافقية تسمح بإعادة إطلاق المسار الانتخابي وإنهاء حالة الجمود التي طبعت الأزمة الليبية لسنوات.
لكن الطريق نحو الانتخابات لا يبدو مفروشاً بالورود، فالوثيقة تحتاج إلى استكمال مسار المصادقة عليها من طرف مجلس النواب الموجود مقره في بنغازي والمجلس الأعلى للدولة في طرابلس، وسط تاريخ طويل من الخلافات السياسية التي سبق أن عطلت مبادرات واتفاقات مماثلة.
ومن داخل معسكر الشرق، وصف عبد الرحمن العبار الاتفاق بأنه ثمرة تنازلات مشتركة، مؤكداً أنه لا يمثل الحل النهائي، لكنه قد يشكل طريقاً للوصول إلى انتخابات تنهي الأزمة. وفي الجهة المقابلة، اعتبر مصطفى المانع، عضو وفد حكومة الدبيبة، أن ما جرى التوصل إليه يمثل ثمرة أشهر من المفاوضات المعقدة، مشدداً على أن توحيد المؤسسات لن يتحقق إلا عبر صناديق الاقتراع.
واللافت أن الاتفاق الجديد لا يرتبط مباشرة بالمسار التفاوضي الذي يقوده مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي المكلف بشؤون إفريقيا والشرق الأوسط، ما يفتح الباب أمام تعدد المبادرات الدولية المتنافسة أو المتوازية بشأن مستقبل ليبيا، في وقت أصبحت فيه البلاد ساحة لتقاطعات إقليمية ودولية تتجاوز حدود الصراع الداخلي.
وكانت الأمم المتحدة قد طرحت في وقت سابق خارطة طريق تقوم على ثلاثة محاور أساسية: التوصل إلى إطار انتخابي متكامل ومتوافق عليه، وتوحيد المؤسسات التنفيذية عبر حكومة واحدة، ثم إطلاق حوار سياسي وطني يضم مختلف القوى السياسية والوطنية الليبية.
وبين الاتفاقات والمبادرات والخرائط الدولية، يبقى السؤال الأكبر: هل تكون هذه المرة مختلفة عن سابقاتها؟
فليبيا لا تعاني فقط من أزمة سياسية، بل من إرث ثقيل من الانقسام المؤسساتي والصراع على النفوذ والثروة والنفط، ومن تعدد مراكز القرار. ولذلك فإن تنظيم الانتخابات وحده لن يكون كافياً إذا لم يرافقه توافق حقيقي حول قواعد اللعبة السياسية، وقبول نتائج صناديق الاقتراع، وتوحيد المؤسسات السيادية والعسكرية والأمنية.
لقد دفع الليبيون ثمناً باهظاً سنوات طويلة من الانقسام، فيما ظلت البلاد الغنية بالنفط عاجزة عن تحويل ثروتها إلى استقرار سياسي وتنمية مستدامة. واليوم تلوح نافذة جديدة في جدار الأزمة، لكن إغلاقها قد يكون أسرع من فتحها إذا عادت الحسابات الضيقة لتنتصر على منطق الدولة.
فإذا نجحت الانتخابات، قد تستعيد ليبيا شيئاً من وحدتها المفقودة، أما إذا تحولت الوعود الجديدة إلى مجرد اتفاق آخر فوق ركام الاتفاقات السابقة، فقد يجد الليبيون أنفسهم مرة أخرى أمام المشهد نفسه: دولتان، مؤسسات متنازعة، حكومات متنافسة، وانتخابات مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
وفي ليبيا، لم يعد التحدي هو توقيع اتفاق جديد… بل أن يتحول الاتفاق أخيراً إلى دولة واحدة.
31/08/2026