يبدو أن المرجان الأحمر في مياه الحسيمة أصبح مطالباً اليوم بالدفاع عن نفسه، بعدما اختارت غرفة الصيد البحري المتوسطية، عبر رئيسها منير الدراز، أن تطرق باب كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، بالتحايل عبر المطالبة برفع عدد الغطاسين المسموح بهم على متن سفن صيد المرجان الأحمر من اثنين إلى ثلاثة داخل المنطقة البحرية المسماة “طوبو”. مطلب قد يبدو بسيطاً في لغة المراسلات الإدارية، لكنه في عمق البحر ليس بهذه البراءة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنطقة يفترض أن تحظى بحماية خاصة. وهنا يحق للرأي العام أن يسأل بصوت مرتفع: هل نحن أمام إجراء لحماية الغطاسين، أم أمام توسيع لقدرة الاستغلال؟ وهل أصبحت كلمة “محمية” تعني أن المرجان محمي من الجميع… إلا من يريد النزول إليه واقتلاعه؟
الغرفة تقول، عبر رئيسها، الذي يسعى إلى حصد الذهب من قاع البحر، إن الغطاس الثالث لا يستهدف زيادة المصطادات، وإنما تعزيز السلامة المهنية وتمكين أفراد الطاقم من التدخل عند وقوع طارئ. ومن حيث المبدأ، لا أحد يعارض حماية حياة الغطاسين. لكن يا للمفارقة! كلما وصل الحديث إلى الذهب الأحمر، تظهر السلامة المهنية فجأة كجواز مرور نحو قاع البحر. وكأن حماية الإنسان لا يمكن تحقيقها إلا بإضافة غطاس جديد إلى عملية استخراج مورد بحري حساس. أما معدات الإنقاذ، وتجهيزات الغوص، وأنظمة الاتصال، والتكوين، والمراقبة، وباقي شروط السلامة، فيمكنها ربما أن تنتظر دورها في طابور الحلول.
المشكلة أن البحر لا يقرأ المراسلات ولا يفهم لغة التبريرات الإدارية. والمرجان لا يملك القدرة على التمييز بين غطاس نزل لإنقاذ زميله وغطاس يشارك في نشاط استغلالي. ما يعرفه البحر فقط هو أن هناك بشراً ينزلون إلى القاع، وأن هناك مرجاناً يُستخرج، وأن كل عملية ضغط إضافية على مورد هش يجب أن تخضع لحسابات بيئية صارمة. فالمرجان، للأسف، لا يملك غرفة مهنية تدافع عنه، ولا رئيساً مثل “سعادة الدراز” يراسل الوزارة للمطالبة بحقه في البقاء.
والأكثر إثارة للقلق أن المراسلة تبدو منشغلة بعدد الغطاسين أكثر من انشغالها بالسؤال الذي يفترض أن يكون في صدارة كل شيء: ما الذي تبقى من المرجان الأحمر في هذه المنطقة؟ أين الدراسة العلمية الحديثة التي تقيس حجم المخزون؟ أين تقييم حالة المستعمرات المرجانية؟ أين المعطيات التي تثبت أن هذا النشاط يمكن أن يستمر دون أن يتحول إلى استنزاف؟ وأين الدراسة التي تقول إن رفع عدد الغطاسين لن يزيد الضغط الفعلي على المورد؟ أم أن الجواب الجاهز هو ببساطة: كان لدينا ثلاثة غطاسين سنة 2006، فلنعد إلى ثلاثة ونترك المرجان يتدبر أمره؟
هنا تحديداً ينبغي ألا تختبئ القضية خلف عبارة “السلامة المهنية”. فالسلامة يمكن تحقيقها بوسائل كثيرة دون أن تتحول إلى ذريعة لتوسيع النشاط داخل منطقة حساسة. يمكن تعزيز معدات الإنقاذ، وفرض تجهيزات تقنية أكثر صرامة، وتكوين الطواقم، وتشديد المراقبة، وربط كل عملية غوص ببروتوكولات دقيقة للطوارئ. أما جعل الحل الأول هو زيادة عدد الغطاسين، فذلك يحتاج إلى أكثر من مراسلة؛ يحتاج إلى دراسة علمية مستقلة تثبت أن المصلحة البيئية لن تدفع الثمن.
والأغرب أن المراسلة تستند إلى قرار يعود إلى سنة 2006 كان يسمح بثلاثة غطاسين. وهنا لا بد من تسجيل هذه التحفة التنظيمية: نحن في سنة 2026، لكن المرجان مطالب، على ما يبدو، بأن يعيش وفق دفتر شروط عمره عشرون عاماً! لا يهم إن تغيرت حالة البحر، ولا إن تغيرت الضغوط على الموارد، ولا إن تطورت المعايير البيئية، ولا إن أصبحت حماية النظم البحرية أولوية عالمية؛ المهم أن هناك قراراً قديماً يمكن إخراجه من الأرشيف عند الحاجة.
لكن هل القرار الصادر قبل عشرين عاماً دراسة علمية حديثة؟ هل يحمل معه تقريراً عن الوضع الحالي للمرجان؟ هل يعرف عدد المستعمرات التي بقيت؟ هل يقيس قدرتها على التجدد؟ بالطبع لا. القرار قرار، والتاريخ تاريخ، أما البيئة فلها حساباتها الخاصة التي لا تتوقف عند تاريخ نشر الجريدة الرسمية.
البيئة لا تعمل بمنطق النسخ واللصق. ما كان مقبولاً قبل عقدين قد يصبح اليوم خطراً إذا تغيرت حالة المورد أو النظام البيئي. وإذا كانت الدولة قد قررت مراجعة شروط صيد المرجان الأحمر، فالواجب أن يكون معيار القرار هو العلم والمراقبة والاستدامة، وليس البحث عن نص قديم لإثبات أن ما كان مسموحاً بالأمس يجب أن يبقى مسموحاً غداً. وإلا فلماذا لا نعلن رسمياً أن الزمن توقف سنة 2006 ونطلب من البحر أيضاً أن يتوقف عن التغير؟
ثم يأتي التبرير الآخر: الغطاس الثالث لن يزيد كمية المصطادات. جميل جداً. لكن هل زيادة القدرة البشرية على ممارسة النشاط لا يمكن أن تزيد القدرة التشغيلية على الاستغلال؟ وهل يمكن فصل عدد أفراد الطاقم عن حجم النشاط الفعلي في البحر؟ هنا تحديداً يجب أن تكون الرقابة أكثر صرامة، لأن أي توسيع للقدرة التشغيلية داخل منطقة حساسة يستوجب ضمانات أقوى، لا مجرد تطمينات مكتوبة.
والحديث عن الحصة القانونية لا يغلق الباب أمام المخاوف المتعلقة بالاستغلال غير المشروع. فإذا كانت هناك خشية من تجاوز الحصص أو تهريب المرجان أو استغلال الثروة خارج الضوابط، فإن الحل ليس التساهل، بل تشديد المراقبة، وتتبع المصطادات من البحر إلى اليابسة، وتوثيق الكميات، وضبط عمليات الإنزال والتسويق، وربط الترخيص بمراقبة فعلية لا بمجرد أوراق تحمل الأختام.
والمرجان الأحمر ليس سمكاً يمكن تعويضه في موسم قادم. إنه ثروة بحرية بطيئة النمو، وأي استنزاف متواصل لمستعمراته قد تكون له آثار طويلة الأمد. لذلك فإن تحويل منطقة يفترض أن تكون محمية إلى فضاء لاستمرار نشاط الاستغلال، حتى ولو كان منظماً، يطرح سؤالاً جوهرياً حول معنى الحماية نفسها. فما فائدة محمية تسمح بالنشاط ثم تكتشف بعد سنوات أن المورد الذي كان يفترض أن تحميه أصبح نادراً أو اختفى؟
وهنا تحديداً يجب توجيه النقد إلى المراسلة: لماذا لم تجعل حماية المرجان هي النقطة المركزية؟ لماذا لم تطلب الغرفة، إلى جانب الحديث عن السلامة، إجراء تقييم علمي مستقل لوضعية المخزون؟ لماذا لم تقترح تعزيز وسائل الإنقاذ والمراقبة بدل التركيز على رفع عدد الغطاسين؟ ولماذا لا يكون أي تعديل في عدد أفراد الطاقم مشروطاً أولاً بدراسة بيئية واضحة تثبت أن المرجان لن يدفع الثمن؟
إن حماية الغطاس لا تتعارض إطلاقاً مع حماية المرجان. بل إن التنظيم المسؤول يجب أن يضمن الاثنين معاً. لكن عندما تصبح المطالبة الأساسية هي إضافة غطاس ثالث، بينما تغيب بنفس القوة مطالب حماية المورد نفسه، فإن علامات الاستفهام تصبح أكبر من أن تخفيها لغة المراسلات.
المحمية ليست مخزناً مفتوحاً للاستغلال بمجرد أن يحمل الاستغلال رخصة أو قراراً تنظيمياً. كلمة “محمية” يفترض أن تكون لها قيمة حقيقية: حماية المورد، تقليص الضغط عليه، ضمان استدامته، ومنع استنزافه، وإعطاء الطبيعة الأولوية عندما تكون المؤشرات العلمية مقلقة.
وإذا كانت السلطات المختصة جادة فعلاً في حماية الثروة البحرية بالحسيمة، فإن المطلوب ليس التسابق نحو تسهيل شروط الصيد، بل وضع سقف بيئي لا يمكن تجاوزه. دراسات دورية للمخزون، مراقبة دقيقة للمصطادات، تحديد صارم للمناطق والفترات، مراقبة فعلية للسفن، تشديد العقوبات على المخالفات، وربط أي تعديل تنظيمي بالمعطيات العلمية الحالية.
أما الاستناد إلى قرار سنة 2006 وكأنه شهادة صلاحية أبدية، فلا يكفي. البحر تغير، والضغوط تغيرت، والمعايير البيئية تغيرت، وحده منطق الاستغلال يبدو مصراً على التعامل مع البحر كما لو أنه بئر لا ينضب. وكأن المرجان لديه مستودع سري في مكان ما، وكلما اقتلعنا منه جزءاً خرجت لنا مستعمرة جديدة صباح اليوم التالي!
ولهذا فإن مطالبة غرفة الصيد البحري المتوسطية بإضافة غطاس ثالث يجب أن تخضع لنقاش جدي وشفاف، ليس لأن سلامة الغطاسين غير مهمة، بل لأن السلامة لا ينبغي أن تتحول إلى مظلة لتوسيع الضغط على ثروة بحرية حساسة. إذا كان الغطاس يحتاج إلى حماية، فإن المرجان يحتاج إلى حماية أيضاً، وربما أكثر، لأنه لا يستطيع أن يراسل الوزارة ولا أن يوقع العرائض ولا أن يرسل ممثلاً عنه إلى الاجتماعات.
فالغطاس له الحق في العودة سالماً، والبحر له الحق في البقاء سليماً، والمرجان له الحق في ألا يتحول إلى ضحية لمنطق الاستغلال. ولا يمكن أن تكون حماية أحدهما ذريعة لإهمال الآخر.
والسؤال الذي يجب أن يسبق أي توقيع أو تعديل هو سؤال واحد، واضح وصادم: هل نحن بصدد تنظيم صيد المرجان من أجل بقائه، أم بصدد تنظيم استنزافه حتى يصبح انقراضه نتيجة متوقعة؟
لأن الكارثة الحقيقية لن تكون في عدد الغطاسين، بل في اليوم الذي ستصبح فيه المحمية محمية من الاسم فقط، ويصبح الذهب الأحمر الذي كانت مياه الحسيمة تختزنه مجرد ذكرى في الصور والوثائق.
حينها لن ينفع غطاس ثالث، ولا قرار رابع، ولا مراسلة خامسة. لأن المرجان، خلافاً لبعض أصحاب المراسلات، لا يستطيع أن يطرق باب الوزارة ليقول: كفى!
31/08/2026