kawalisrif@hotmail.com

جمعية نسائية تنتقد تحول الأحزاب من بوابة للديمقراطية إلى سوق للمال لبيع التزكيات

جمعية نسائية تنتقد تحول الأحزاب من بوابة للديمقراطية إلى سوق للمال لبيع التزكيات

لم تعد معركة النساء داخل الأحزاب المغربية تقتصر على انتزاع مواقع متقدمة في اللوائح الانتخابية، بل أصبحت، وفق تحذيرات جديدة، مرتبطة أيضاً بالطريقة التي تُمنح بها التزكيات والمعايير الحقيقية التي تتحكم في اختيار المرشحات والمرشحين.

الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب دقت ناقوس الخطر، محذرة من أن تتحول التزكيات الانتخابية إلى مجال للمساومة المالية والنفوذ والولاءات الشخصية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالمقاعد والآليات التي يفترض أن تكون وسيلة لتعزيز حضور النساء داخل المؤسسات المنتخبة.

وفي بلاغ للرأي العام صدر الأحد 30 غشت 2026، طرحت الجمعية السؤال الذي يبدو اليوم أكثر إزعاجاً للأحزاب من أي وقت مضى: هل أصبح الحق في المشاركة السياسية مشروطاً بالقدرة على الدفع؟

السؤال لا يتعلق فقط بالنساء، بل يكشف مشكلة أعمق في طريقة اشتغال عدد من التنظيمات السياسية، عندما تصبح التزكية أقرب إلى امتياز تمنحه مراكز النفوذ، بدل أن تكون نتيجة لمسار سياسي وكفاءة ونزاهة وحضور ميداني.

فالأحزاب التي يفترض أن تكون مدارس للديمقراطية، وأن تفرز الكفاءات وتمنح الفرص على أساس الاستحقاق، مطالبة اليوم بتقديم إجابات واضحة حول المعايير التي تعتمدها في اختيار مرشحيها ومرشحاتها. أما أن تتحول التزكية إلى سلعة سياسية يحدد سعرها حجم المال أو قوة العلاقات أو درجة الولاء، فذلك يعني عملياً إفراغ العملية الانتخابية من جزء أساسي من مضمونها.

وتزداد خطورة الأمر عندما يتعلق الأمر بالمقاعد المخصصة لتعزيز تمثيلية النساء، والتي أشارت الجمعية إلى بلوغها 90 مقعداً، إذ إن الهدف من هذه الآليات لم يكن خلق قناة جديدة لتكريس نفوذ الأعيان، وإنما فتح المجال أمام النساء للوصول إلى مواقع القرار ومواجهة اختلال تاريخي في توزيع السلطة السياسية.

لكن ماذا يحدث عندما تنتقل عقلية الأعيان نفسها إلى هذه المساحات؟

هنا تصبح المسألة أكثر تعقيداً. فبدل أن يكون التمييز الإيجابي مدخلاً لتغيير قواعد اللعبة السياسية، قد يتحول إلى مجرد واجهة نسائية لممارسات سياسية قديمة، حيث المال والعلاقات الشخصية والولاءات أهم من الكفاءة والاستقلالية والمشروع السياسي.

والجمعية الديمقراطية لنساء المغرب تنتقد صراحة هذا المنطق، معتبرة أن جعل القدرة المالية أو النفوذ أو الولاء الشخصي معياراً فعلياً للترشح، على حساب الكفاءة والنزاهة والمسار السياسي والنضالي، يمثل انحرافاً عن الوظيفة الديمقراطية للأحزاب.

والأخطر أن هذه المعادلة لا تضرب النساء فقط، بل تضرب فكرة الحزب نفسها.

فالحزب الذي لا يستطيع إقناع الرأي العام بأن مرشحيه وصلوا إلى مواقعهم عبر مساطر واضحة وعادلة وشفافة، يجد نفسه أمام سؤال مشروع حول جدوى الانتخابات الداخلية ومساطر التزكية، وحول ما إذا كانت البرامج والمبادئ لا تزال هي التي تصنع المرشح، أم أن العلاقات والقدرة على الإنفاق أصبحت أكثر تأثيراً.

بالنسبة إلى النساء، تقول الجمعية إن الوضع أكثر صعوبة بسبب الاختلالات التاريخية والبنيوية في توزيع الموارد والسلطة والنفوذ داخل المجال السياسي. ولذلك فإن مطالبة المرأة بإثبات قدرتها على تعبئة المال بدل كفاءتها السياسية، أو إثبات ولائها بدل استقلالية قرارها، يمكن أن تتحول إلى آلية جديدة لإقصاء الكفاءات النسائية المستقلة.

وهنا تحديداً يظهر وجه آخر للمشكلة: المرأة قد تحصل على المقعد، لكنها لا تحصل بالضرورة على استقلالية القرار.

فالتمكين السياسي لا يمكن اختزاله في أرقام وإحصائيات حول عدد النساء داخل البرلمان أو المجالس المنتخبة. السؤال الحقيقي هو: كيف وصلن؟ ومن اختارهن؟ وعلى أي أساس؟ وهل يمتلكن هامشاً حقيقياً لاتخاذ القرار، أم أن وصولهن ارتبط بتوازنات وولاءات تجعل استقلاليتهن السياسية محدودة؟

الجمعية ذهبت أبعد من ذلك عندما تحدثت عن احتمال تحول بعض هذه الممارسات إلى شكل من أشكال العنف السياسي والتمييز ضد النساء، وربطت ذلك بمطالب سابقة لها، من بينها الاعتراف بالعنف السياسي ضد النساء وتجريمه، ووضع آليات فعالة للوقاية منه والتبليغ عنه والحماية من آثاره.

كما طالبت بفتح تحقيق ومساءلة جدية بشأن كل تصريح موثق يتعلق بطلب مقابل مالي مباشر أو غير مباشر مقابل الحصول على التزكية، معتبرة أن الأمر لا ينبغي أن يبقى مجرد حديث انتخابي متداول في الكواليس، بل أن يخضع، متى توفرت المعطيات الموثقة، للمساءلة القانونية والسياسية.

— وهنا يقع العبء الأكبر على الأحزاب نفسها.

فبدل الاكتفاء برفع شعارات الديمقراطية والمساواة وتمكين النساء في كل موسم انتخابي، يفترض أن تكشف هذه التنظيمات للرأي العام عن مساطرها الحقيقية في اختيار المرشحين، وأن توضح معايير التزكية، وكيفية اتخاذ القرار، والجهات التي تملك الكلمة الأخيرة.

أما الاختباء خلف السرية التنظيمية، أو ترك التزكيات رهينة للكواليس، فلن يؤدي سوى إلى توسيع الشكوك حول طبيعة العملية برمتها.

المطلوب، وفق الجمعية، مساطر شفافة ومعلنة وقابلة للمساءلة، تقوم على الكفاءة والنزاهة والمسار السياسي والنضالي والارتباط بقضايا المجتمع، مع ضمان تكافؤ حقيقي في الولوج إلى الموارد الحزبية والمالية والتنظيمية والإعلامية.

والمسألة هنا لا تخص حزباً بعينه، بل تضع مختلف الأحزاب أمام امتحان حقيقي. فكل حزب يرفع شعار الديمقراطية مطالب بأن يطبقها أولاً داخل بيته، وكل تنظيم يتحدث عن تمكين النساء مطالب بأن يضمن لهن شروطاً عادلة ومستقلة للوصول إلى مواقع القرار.

لقد اعتاد المغاربة، مع كل استحقاق انتخابي، على سماع خطابات كبيرة عن الإصلاح والتغيير وتجديد النخب وتمكين الشباب والنساء. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ قبل يوم الاقتراع بكثير، داخل مكاتب الأحزاب، حيث تُصنع اللوائح وتُوزع التزكيات وتُحدد الأسماء التي ستطلب من الناخبين التصويت عليها.

ومن هنا، فإن نزاهة الانتخابات لا تبدأ من صناديق الاقتراع، وإنما من نزاهة الترشيحات.

وإذا كانت التزكية ستصبح رهينة بالمال أو النفوذ أو الولاء، فإن الانتخابات نفسها تصبح مهددة بفقدان جزء من معناها، لأن الناخب سيجد نفسه أمام أسماء جرى اختيارها وفق قواعد لا يعرفها، وربما لا علاقة لها بالكفاءة أو الاستحقاق.

أما بالنسبة إلى النساء، فإن الخطر أكبر: أن تتحول المناصفة من مشروع لتغيير موازين القوة داخل المؤسسات إلى مجرد أرقام انتخابية، وأن يتم استبدال إقصاء النساء من المؤسسات بإدخالهن إليها بشروط تبعية جديدة.

ذلك أن التمكين السياسي الحقيقي لا يقاس بعدد المقاعد فقط، وإنما بالطريق الذي سلكته المرأة للوصول إليها، وبمدى استقلاليتها وقدرتها على ممارسة دورها دون وصاية أو ابتزاز أو تبعية.

الكرة توجد في ملعب الأحزاب والجهات المشرفة على الانتخابات معاً: إما أن تكون التزكية محطة ديمقراطية حقيقية لاختيار الكفاءات، أو أن تستمر الكواليس في إنتاج نفس الوجوه والعلاقات والولاءات، مع تغيير واحد فقط في الصورة: أن يصبح للأعيان هذه المرة وجه نسائي أيضاً.

31/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts