kawalisrif@hotmail.com

سبتة المحتلة تهتز وسانشيز يفتح النار … رئيس الحكومة الإسبانية يتهم روسيا وإسرائيل بنشر التضليل

سبتة المحتلة تهتز وسانشيز يفتح النار … رئيس الحكومة الإسبانية يتهم روسيا وإسرائيل بنشر التضليل

عادت سبتة المحتلة إلى واجهة الجدل السياسي والإعلامي في إسبانيا، بعدما وجد رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز نفسه مضطراً إلى تقديم رواية جديدة حول أزمة تدفق المهاجرين، محاولاً هذه المرة إبعاد الشبهات عن المغرب، مقابل توجيه أصابع الاتهام نحو ما وصفه بالمعلومات المضللة التي جرى نشرها وتضخيمها من جانب روسيا وإسرائيل، في مشهد يكشف حجم الارتباك الذي تعيشه مدريد كلما انفجرت أزمة جديدة على حدود المدينة المحتلة.

سانشيز، الذي تحدث عن نتائج بحث أنجزه جهاز العمل الخارجي للاتحاد الأوروبي، قال إن روسيا وإسرائيل استغلتا أزمة الدخول الجماعي للمهاجرين إلى جيب سبتة من أجل مهاجمة الحكومة الإسبانية، مستفيدتين من الخلافات القائمة مع مدريد بشأن الحرب في أوكرانيا والشرق الأوسط. لكن اللافت في التصريح الإسباني هذه المرة أن المغرب لم يظهر كمتهم، بل جاء على لسان رئيس الحكومة الإسبانية نفيٌ صريح لأي تورط مغربي في تدفق المهاجرين. ويبدو أن قائمة الاتهامات هذه المرة احتاجت إلى تغيير الأسماء، بعدما لم يعد المغرب يؤدي دور المتهم الجاهز كما كان يحدث في أزمات سابقة.

وهذه النقطة بالذات تحمل دلالة سياسية كبيرة، لأن مدريد اعتادت في مثل هذه الأزمات أن تجد نفسها أمام إغراء تحويل الحدود مع المغرب إلى عنوان للأزمة، قبل أن تعود الوقائع والمصالح المشتركة لتفرض عليها لغة أكثر واقعية. سانشيز قال بوضوح إن أجهزة الاستخبارات التي تتعاون معها حكومته لم تقدم أي دليل، أو حتى إشارة، إلى تورط السلطات المغربية في ما حدث. وهي خلاصة تضع كثيراً من الروايات المتسرعة أمام مرآة محرجة، خصوصاً تلك التي كانت لا تحتاج إلى تحقيق طويل قبل أن تجد أصابع مغربية في كل زاوية.

والأكثر إثارة أن رئيس الحكومة الإسبانية أقر، في تصريح يحمل اعترافاً غير مباشر بجذر المشكلة، بأن حدود ثغري سبتة ومليلية تعد من أكثر الحدود تعقيداً في العالم، بسبب الفارق الكبير في فرص العمل والدخل بين جانبي الحدود الوهمية. وبذلك، فإن الأزمة لا يمكن اختزالها في مجرد شائعة على مواقع التواصل الاجتماعي أو في نشاط شبكات تهريب البشر، لأن هناك واقعاً اجتماعياً واقتصادياً وجغرافياً شديد التعقيد يفرض نفسه على المدينة المحتلة، مهما حاولت السياسة أن تضع فوقه طبقات جديدة من الخطاب الأمني.

وتحدث سانشيز عن دخول عشرات الآلاف من المهاجرين إلى سبتة خلال الأزمة الأخيرة، بينما لا تزال الأرقام المتداولة بشأن حجم التدفق والخسائر البشرية محل اختلاف بين الرواية الرسمية ومعطيات منظمات غير حكومية. وفي الوقت الذي تحدثت فيه السلطات الإسبانية عن أعداد كبيرة أعيد معظمها، ظلت قضية القاصرين غير المصحوبين واحدة من أكثر الملفات إحراجاً للسلطات المحلية والإسبانية، لأنها تضع مدريد أمام واقع لا يمكن إخفاؤه خلف الأسلاك الشائكة ولا خلف البيانات الرسمية.

لكن المفارقة الكبرى تكمن في أن مدريد، التي تحاول تقديم سبتة باعتبارها جزءاً من المنظومة الأوروبية، وجدت نفسها أمام أزمة لا تستطيع المدينة تدبيرها بمفردها، ما دفع الحكومة المركزية إلى رصد 168 مليون يورو لتنشيط اقتصادها ومواجهة تداعيات الأزمة. رقم ضخم يكشف أن سبتة ليست مجرد نقطة حدودية عابرة، بل منطقة تعيش على إيقاع هشاشة اقتصادية وسياسية متراكمة. ويبدو أن شعار أوروبا ينتهي أحياناً عند البوابة، فيما تبدأ فاتورة الإنقاذ من خزينة مدريد.

وفي المقابل، حمل خطاب سانشيز رسالة واضحة بشأن المغرب، عندما أكد أن الحل لا يمكن أن يكون عبر الارتياب من الرباط، وإنما من خلال التعاون. وهو موقف ينسف عملياً كثيراً من الخطابات المتشنجة التي ظهرت خلال الأزمات السابقة، والتي حاولت تقديم المغرب باعتباره الطرف الذي يقف خلف كل اضطراب تشهده سبتة. فإذا كان التعاون مع الرباط ضرورياً عندما تشتد الأزمة، فمن الغريب أن يتحول المغرب في أوقات الهدوء إلى متهم افتراضي جاهز للاستهلاك السياسي.

أما الحديث عن روسيا وإسرائيل واليمين المتطرف والمعلومات المضللة، فيكشف جانباً آخر من المعركة، يتعلق بمن يملك القدرة على توجيه الرأي العام داخل المدينة المحتلة. فكل أزمة هجرة تتحول سريعاً إلى مادة انتخابية وإعلامية جاهزة، خصوصاً بالنسبة إلى تيارات اليمين المتطرف التي لا تتردد في استثمار الخوف من المهاجرين لتوسيع نفوذها السياسي. وهكذا يصبح المهاجر مرة أخرى وقوداً انتخابياً، بينما تبحث السياسة عن خصم جديد كلما احتاجت إلى تفسير سريع لأزمة معقدة.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط من نشر الشائعات أو من ضخ المعلومات المضللة، بل لماذا تظل سبتة ومليلية المحتلتان تعيشان كل هذه الهزات بمجرد حدوث اضطراب على الجانب الآخر من الحدود؟ ولماذا تحتاج مدريد في كل مرة إلى ملايين أو مئات الملايين من اليوروهات لاحتواء تداعيات أزمة ترتبط في جوهرها بوضع استثنائي لمدينتين تقعان جغرافياً في شمال إفريقيا؟

الجواب، مهما حاولت مدريد تأجيله أو الالتفاف حوله، يرتبط بحقيقة جغرافية وسياسية لا يمكن تغييرها بالتصريحات ولا بالأسوار ولا بالمقاربات الأمنية. فسبتة المحتلة توجد على التراب المغربي الإفريقي، ومهما ارتفعت لغة الخطاب السياسي الإسباني، فإن البحر المتوسط وموقع المدينة والحدود مع باقي التراب المغربي تظل حقائق أقوى من كل محاولات إعادة تعريف الجغرافيا. الجغرافيا، ببساطة، لا تقرأ البيانات الحكومية ولا تتأثر كثيراً بالمؤتمرات الصحفية.

وبينما يحاول سانشيز تهدئة الأوضاع وتبرئة المغرب من المسؤولية، تبدو سبتة وكأنها تدفع ثمن تناقضات متراكمة: مدينة تريد مدريد أن تقدمها كجزء من أوروبا، لكنها تواجه باستمرار أزمات ذات طبيعة إفريقية، وتحتاج في الوقت نفسه إلى المغرب لضبط الحدود والتعاون الأمني والهجرة. إنها معادلة سياسية شديدة الغرابة: مدينة في إفريقيا، بخطاب أوروبي، وحدود لا يمكن تدبيرها من دون الجار الإفريقي.

وهنا تكمن المفارقة التي يصعب على مدريد إخفاؤها: المغرب الذي يحاول البعض تصويره باعتباره مصدر الخطر، يتحول عند كل أزمة إلى شريك لا غنى عنه. أما سبتة، التي تحاول السياسة الإسبانية تقديمها كحصن أوروبي متقدم، فتظل في النهاية مدينة معلقة بين خطاب سياسي أوروبي وواقع جغرافي إفريقي، وبين حاجة مدريد إلى المغرب ومحاولات بعض الأصوات السياسية تصوير العلاقة معه باعتبارها مصدر تهديد.

وقد تكون أزمة الهجرة الأخيرة مجرد فصل جديد، لكن الدرس الأوضح منها أن الأسوار تستطيع إيقاف العابرين لبعض الوقت، ولا تستطيع إيقاف الأسئلة السياسية والجغرافية التي تقف خلف الأزمة. فكلما ارتفعت الضغوط على سبتة، عادت الحقيقة نفسها إلى الواجهة: لا يمكن لمدريد أن تدير هذه المنطقة بعقلية أمنية فقط، ولا أن تتعامل مع المغرب بمنطق الشك، ثم تطلب منه في اللحظة نفسها أن يكون شريكها في حماية حدودها.

وفي النهاية، يبدو أن أزمة سبتة لم تكشف فقط حجم هشاشة المدينة، بل كشفت أيضاً هشاشة بعض الخطابات التي تحيط بها. فحين يقول رئيس الحكومة الإسبانية بنفسه إن التعاون مع المغرب هو الطريق الوحيد للحل، فإن الرسالة الأهم ليست موجهة إلى المهاجرين ولا إلى روسيا أو إسرائيل، وإنما إلى مدريد نفسها: الجغرافيا لا تُدار بالشعارات، والواقع لا يمكن إسكاتُه بالأسوار، والسياسة لا تستطيع إلى الأبد اختراع شماعة جديدة كلما طرقت الأزمة أبواب سبتة.

فسبتة ستظل تذكّر إسبانيا في كل أزمة بالحقيقة التي تحاول السياسة أحياناً تأجيلها: علاقتها بالمغرب ليست تفصيلاً عابراً ولا خياراً ثانوياً، بل ضرورة تفرضها الجغرافيا والمصالح والواقع. أما من يصر على تجاهل هذه الحقيقة، فسيجد نفسه في كل مرة مضطراً إلى البحث عن متهم جديد… وربما لم يبق في قائمة الشماعات سوى نصف الكرة الأرضية.

31/08/2026

مقالات خاصة

Related Posts