الحسيمة : كواليس الريف
لم يكن إعلان البرلماني بوطاهر البوطاهري، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، عدم ترشحه للانتخابات التشريعية المقبلة مجرد قرار شخصي بمغادرة المؤسسة التشريعية، بل أعاد إلى الواجهة مساره السياسي والبرلماني، وفتح نقاشاً واسعاً حول حصيلته داخل البرلمان، في الوقت الذي يستعد فيه نجله كريم البوطاهري لخوض غمار الانتخابات التشريعية المقبلة، في محاولة لمواصلة الحضور السياسي للعائلة.
وبوطاهر البوطاهري راكم، وفق المعطيات الواردة في التحقيق، سنوات طويلة داخل المؤسسة التشريعية، إذ قضى أكثر من عقد داخل مجلس المستشارين ممثلاً عن حزب جبهة القوى، قبل أن ينتقل إلى مجلس النواب باسم حزب التجمع الوطني للأحرار، حيث قضى الولاية التشريعية الممتدة من 2021 إلى 2026.
لكن مغادرة الأب للمشهد البرلماني لا تبدو وحدها محور النقاش، إذ يطرح متابعون سؤالاً آخر أكثر ارتباطاً بمردودية هذه التجربة: ماذا قدم بوطاهر البوطاهري لساكنة إقليم الحسيمة خلال سنوات حضوره داخل المؤسسة التشريعية؟ وهل تعكس حصيلته البرلمانية حجم التجربة التي راكمها على امتداد سنوات طويلة؟
— 4 أسئلة شفوية و42 سؤالاً كتابياً.. ماذا تكشف الأرقام؟
الإجابة عن جانب من هذه التساؤلات تعود، بحسب تحقيق أنجزته جريدة كواليس الريف، إلى البيانات الرسمية الصادرة عن مجلس النواب، والتي ترصد أداء البرلمانيين خلال الولاية التشريعية الممتدة بين 2021 و2026.
ووفق المعطيات التي استند إليها التحقيق، يوجد بوطاهر البوطاهري ضمن قائمة تضم 41 نائباً برلمانياً سجلوا حضوراً ضعيفاً جداً من حيث التدخلات خلال جلسات المساءلة الأسبوعية للحكومة، التي بلغ عددها 123 جلسة طيلة الولاية التشريعية الحالية.
وتشير المعطيات نفسها إلى أن البوطاهري لم يتقدم سوى بـأربعة أسئلة شفوية و42 سؤالاً كتابياً خلال هذه الجلسات، في حين لم يسجل، وفق البيانات التي اعتمد عليها التحقيق، أي تعقيب على أجوبة أعضاء الحكومة، كما لم تُسجل له إثارة أي نقطة نظام.
وتكتسي جلسات المساءلة الأسبوعية أهمية خاصة داخل المؤسسة التشريعية، باعتبارها إحدى أبرز الآليات التي يمارس من خلالها البرلمان وظيفته الرقابية على العمل الحكومي، فضلاً عن كونها منصة لطرح الإشكالات التي تواجه المواطنين، ومساءلة الوزراء حول السياسات العمومية، ونقل قضايا الدوائر الانتخابية إلى المؤسسة التشريعية والرأي العام.
— سنوات طويلة في البرلمان.. وحصيلة تفتح باب التساؤلات
الأرقام المذكورة أعادت إلى الواجهة نقاشاً أوسع حول العلاقة بين طول التجربة السياسية والمردودية البرلمانية، خصوصاً بالنسبة إلى برلماني راكم سنوات عديدة داخل المؤسسة التشريعية.
فالمتابعون للشأن السياسي المحلي يرون أن تقييم التجربة البرلمانية لا ينبغي أن يستند فقط إلى عدد الولايات التي قضاها المنتخب داخل البرلمان، وإنما أيضاً إلى مستوى حضوره في النقاش التشريعي والرقابي، ومدى قدرته على الدفاع عن القضايا المحلية واستعمال الآليات الدستورية المتاحة لمراقبة العمل الحكومي.
وفي هذا السياق، يشير التحقيق إلى أن اسم بوطاهر البوطاهري لم يرتبط، خلال السنوات الأخيرة، بمبادرات تشريعية ورقابية بارزة حول عدد من الملفات التي تشكل، بحسب متابعين، أولويات بالنسبة إلى إقليم الحسيمة، من بينها التعمير، وحماية المستهلك، والبيئة، وحماية الغابات، ومشاكل الخطوط الجوية بمطار الشريف الإدريسي، والنقل البحري.
وهي ملفات ظلت حاضرة في النقاش العمومي بالإقليم، وارتبط بعضها بشكل مباشر بالمطالب اليومية للسكان وبالتنمية الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة.
— من الأب إلى الابن … هل تتكرر التجربة؟
وبالتزامن مع إعلان بوطاهر البوطاهري مغادرة السباق الانتخابي، برز اسم نجله كريم البوطاهري كمرشح لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة، وهو ما أضفى بعداً آخر على النقاش السياسي في الحسيمة، يتعلق بمدى انتقال الحضور السياسي من جيل إلى آخر.
ويطرح هذا التطور سؤالاً سياسياً لافتاً: هل سيتمكن كريم البوطاهري من تقديم تجربة مختلفة داخل مجلس النواب، إذا ما حاز ثقة الناخبين، أم أن مساره البرلماني المحتمل سيكون امتداداً للتجربة التي خاضها والده؟
ويأتي هذا النقاش في سياق سياسي تتزايد فيه الدعوات إلى تجديد النخب وإفساح المجال أمام وجوه وكفاءات جديدة، فيما يرى فاعلون محليون أن معيار الاختيار ينبغي أن يرتبط أساساً بالكفاءة والأداء والحضور داخل المؤسسات المنتخبة، وليس فقط بالامتداد العائلي أو السياسي.
ومع ذلك، تبقى الكلمة الأخيرة، دستورياً وسياسياً، للناخبين، الذين يملكون عبر صناديق الاقتراع سلطة تقييم أداء ممثليهم واختيار من يرونه الأقدر على الدفاع عن مصالح الإقليم.
وبين حصيلة موثقة في البيانات الرسمية التي اعتمد عليها تحقيق “كواليس الريف”، وبين استعداد كريم البوطاهري لخوض غمار الاستحقاقات التشريعية المقبلة، تتجه الأنظار إلى صناديق الاقتراع لمعرفة ما إذا كان الناخب الحسيمي سيمنح ثقته للجيل الجديد من عائلة البوطاهري، أم أن النقاش حول الحصيلة البرلمانية للأب سيصبح أحد العناوين البارزة في الانتخابات المقبلة.
02/09/2026