في ثوانٍ قليلة، تحوّل ميناء الجزيرة الخضراء إلى مسرح لمأساة حقيقية، بعدما هوت سيارة تقل أربعة أشخاص إلى مياه البحر وهي تستعد للتوجه نحو طنجة. وبينما كانت المركبة تختفي تحت الماء، كان شاب مغربي يدعى وليد يتخذ قراراً لم يحتج فيه إلى أكثر من لحظة واحدة: خلع ملابسه، وركض نحو حافة الرصيف، ثم ألقى بنفسه في البحر لإنقاذ من بقي على قيد الحياة.
وكان وليد، الذي يعمل عوناً ينظم عملية صعود المسافرين في الرصيف المجاور، قد أنهى لتوه عملية شحن السيارات بالرصيف رقم 4، عندما شقّت صرخات الاستغاثة ظلام الليل قادمة من الرصيف رقم 1. وعندما وصل إلى مكان الحادث، كانت السيارة قد بدأت بالفعل في الغرق، بينما تمكن الرجلان، اللذان كانا يجلسان في المقعدين الأماميين، من الخروج منها والوصول إلى سطح الماء بمفردهما.
لم يتردد الشاب المغربي لحظة واحدة، فقفز إلى المياه واتجه نحو أحد الناجين، وتمكن من الوصول إليه ومرافقته نحو إحدى وسائل الحماية، قبل أن يعود للبحث عن الراكب الثاني، الذي كان في وضع أكثر خطورة ويعاني من أعراض مرتبطة بالغرق.
وفي خضم حالة الارتباك، كان وليد يسابق الوقت لإبقاء الرجلين طافيين فوق سطح الماء، بينما سارعت شرطة الميناء إلى إلقاء عدة أطواق نجاة باتجاههما. وتمكن موظف شركة النقل البحري من مساعدة الراكب المرافق على الإمساك بأحد أطواق النجاة والبقاء طافياً، قبل أن تصل لاحقاً سفينة تابعة لـ”شركة المرشدين البحريين”، التي تكفلت بنقل الناجين وموظف شركة النقل البحري إلى الرصيف.
أما السائق، الذي يبلغ نحو 50 عاماً، فقد تلقى الإسعافات الأولية في مكان الحادث من قبل طواقم الطوارئ الطبية، بعدما أصيب بجروح جراء ارتطامه بالماء. في المقابل، كان الراكب المرافق، وهو رجل مسن، يعاني من أعراض مرتبطة بالغرق، ما استدعى نقله إلى المستشفى في حالة حرجة.
لكن وليد لم يتوقف عند إنقاذ الرجلين. فعندما علم أن شخصين آخرين لا يزالان داخل السيارة الغارقة، حاول الغوص مجدداً إلى المكان الذي اختفت فيه المركبة تحت المياه، بحثاً عن أي أثر لهما. غير أن الظلام وضعف الرؤية وانعدام الإضاءة الكافية جعلت المهمة شبه مستحيلة، ليضطر في النهاية إلى العودة.
وفي الجهة الأخرى من المأساة، ظلت المرأتان عالقتين في المقعدين الخلفيين للسيارة، بعدما عجزتا عن الخروج منها قبل أن تغوص المركبة في مياه الميناء. وتم انتشالهما لاحقاً، لكنهما كانتا قد فارقتا الحياة، لتكتمل بذلك مأساة الحادث الذي بدأ خلال لحظات وانتهى بفقدان حياتين.
ولم تمنح السيارة ركابها سوى ثوانٍ معدودة لاتخاذ القرار، إذ ساهم وزنها المرتفع، بعدما كانت محملة بكمية كبيرة من الأمتعة، في تسارع غرقها بشكل لافت. وخلال لحظات قصيرة، اختفت المركبة تحت سطح الماء، تاركة وراءها صرخات استغاثة ومحاولات إنقاذ متسارعة في ظلام الميناء.
ولم يكن وليد شخصاً عابراً في المكان؛ فهو حاصل على تكوين في الغوص، كما راكم خبرة في السباحة وركوب الأمواج، وهي مهارات ساعدته على التحرك في واحدة من أكثر اللحظات ارتباكاً وخطورة، وسط مياه مظلمة ووقت ضيق وصرخات استغاثة تتعالى من الرصيف.
ومع ذلك، فإن الشاب المغربي لا يرى فيما فعله بطولة استثنائية. فقد أوضح أن الأمر كان بالنسبة إليه طبيعياً، وأنه لم يتردد عندما شاهد شخصاً في الماء ويحتاج إلى المساعدة.
لكن خلف هذا التدخل الشجاع، ظلت المأساة حاضرة بكل ثقلها. امرأتان لم تتمكنا من الخروج، ورجل في حالة حرجة نُقل إلى المستشفى، وسيارة اختفت تحت مياه الميناء خلال لحظات. وفي المقابل، كان هناك شاب مغربي اختار ألا يقف متفرجاً، وقفز إلى الماء في وقت كان فيه كل شيء يحدث بسرعة خاطفة.
وفي ليلة أمس، لم يكن وليد يعرف ما الذي ينتظره داخل المياه المظلمة، ولم يكن لديه سوى ثوانٍ لاتخاذ القرار. كل ما رآه كان أشخاصاً يحتاجون إلى المساعدة. فقفز.
وبينما ابتلعت مياه ميناء الجزيرة الخضراء السيارة، وخطفت امرأتين من ركابها، بينما جرى إنقاذ الرجلين، أحدهما في حالة حرجة، بقيت صورة وليد وهو يشق عتمة البحر لإنقاذ الناجين تختصر المشهد كله: مأساة خطفت أرواحاً، وشاب مغربي قرر في لحظة حاسمة ألا يكتفي بالمشاهدة، بل خاطر بنفسه لإنقاذ من استطاع الوصول إليهم.
02/09/2026