احتضنت الطريقة العلاوية بإيكسان بإقليم الناظور أجواء روحانية وعلمية متميزة بمناسبة إحياء موسمها السنوي، المتزامن مع الاحتفاء بذكرى المولد النبوي الشريف، في لقاء جمع بين الذكر والحضرة واستحضار محطات من التاريخ الديني والحضاري للمغرب، مع تسليط الضوء على الخصوصية الروحية لمنطقة الريف وإسهامها في تشكيل الشخصية الدينية المغربية.
وشكلت الكلمة التي ألقاها الدكتور عبد الله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج، إحدى أبرز محطات هذا اللقاء، بعدما قدم قراءة في ما وصفه بالتصوف الحركي المتجدد عند أهل الريف، مبرزاً أن التصوف في المنطقة لم يكن مجرد ممارسة روحية معزولة، بل كان، على امتداد التاريخ، جزءاً من الحياة الاجتماعية والثقافية، ومنظومة قائمة على التربية والذكر والتكافل وخدمة الإنسان.
واستحضر بوصوف المكانة التاريخية لمنطقة الريف في تاريخ الإسلام بالمغرب، متوقفاً عند مسار انتشار المذهب المالكي، حيث أكد أن المذهب المالكي وصل إلى المغرب عن طريق منطقة الريف، مستحضراً في هذا السياق المكانة التي كانت تحظى بها المنطقة خلال المراحل الأولى من التاريخ الإسلامي، ولا سيما مع قيام إمارة النكور في الريف الأوسط، والتي شكلت، وفق هذا السياق التاريخي، إحدى أقدم التجارب السياسية الإسلامية في المغرب.
وربط بوصوف بين هذا العمق التاريخي وبين استمرار الخصوصية الدينية للمغرب، التي تقوم على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني، باعتبارها مكونات أساسية للهوية الدينية المغربية، أسهمت في ترسيخ نموذج يقوم على الاعتدال والتوازن والانفتاح، بعيداً عن النزعات المتشددة والمنغلقة.
وانتقل بوصوف إلى الحديث عن الحضور الديني والمؤسساتي للمسجد في المجتمع المغربي، مشيراً إلى الكثافة الكبيرة للمساجد في منطقتي الريف وسوس مقارنة بعدد من مناطق المملكة، بما يعكس، بحسب قراءته، عمق التدين وتجذر المؤسسات الدينية في المجتمع المغربي.
ولم يقتصر استحضار هذا الحضور الديني على المغرب، إذ أشار بوصوف إلى أن أغلب المساجد الموجودة في أوروبا، والتي تخدم الجاليات المسلمة، ارتبط إنشاؤها أو تدبيرها بالمغاربة، في صورة تعكس، وفق طرحه، الدور الذي لعبته الجالية المغربية في الحفاظ على شعائرها الدينية ونقل تقاليدها الروحية إلى بلدان الإقامة.
وفي حديثه عن الحضرة الصوفية، توقف بوصوف عند بعدها الوجداني، مبرزاً أن الفرح بالمولد النبوي الشريف يتحول داخل مجالس الذكر إلى حالة جماعية من الابتهاج والنشوة الروحية، حيث تتمايل الأجساد في الحضرة تعبيراً عن الفرح والمحبة، في مشهد يختزن جانباً من الموروث الصوفي المغربي الذي حافظت عليه الزوايا والطرق الصوفية عبر أجيال متعاقبة.
كما استحضر بوصوف المكانة الاستثنائية لكتاب دلائل الخيرات للإمام محمد بن سليمان الجزولي، مؤكداً، وفق ما ورد في كلمته، أنه يعد ثاني أكثر الكتب انتشاراً في العالم بعد القرآن الكريم، في إشارة إلى الحضور الواسع الذي حظي به هذا المؤلف في مختلف مناطق العالم الإسلامي، وخاصة داخل الزوايا والطرق الصوفية، لما يتضمنه من صيغ للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
وتوقف بوصوف كذلك عند الاحتفاء بذكرى المولد النبوي الشريف، مستحضراً خصوصية هذه المناسبة في المغرب وما تحمله من أبعاد روحية وثقافية وحضارية، فضلاً عن توجيهات أمير المؤمنين الملك محمد السادس بشأن العناية بالمناسبات الدينية وترسيخ القيم المستمدة من السيرة النبوية الشريفة، وفي مقدمتها الرحمة والتسامح والاعتدال والتعايش.
ومن أبرز المحاور التي استوقفت الحاضرين في كلمة بوصوف، استحضاره لوثيقة المدينة، باعتبارها إحدى المحطات المؤسسة في تنظيم المجتمع في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وما حملته من مبادئ لتنظيم العلاقات بين مختلف مكونات المجتمع، بما فيها المسلمون واليهود، ضمن إطار تعاقدي يحدد الحقوق والواجبات وينظم أسس العيش المشترك.
وفي هذا السياق، أبرز بوصوف البعد الحضاري لوثيقة المدينة، مستحضراً مفهوم الأمة بالمعنى الذي ورد في الوثيقة، باعتباره إطاراً جامعاً لمكونات المجتمع، مع الحفاظ على الخصوصيات الدينية لكل جماعة. وهي قراءة تسلط الضوء على أن الاختلاف الديني لم يكن، في ذاته، مانعاً من بناء إطار مشترك يقوم على المسؤولية والتعاون وحماية المجتمع.
وبالنسبة إلى منطقة الريف، فإن استحضار هذه المعاني من داخل فضاء صوفي عريق يكتسي دلالة خاصة، لأن الزوايا ظلت عبر التاريخ جزءاً من النسيج الاجتماعي والثقافي للمنطقة، ولم تكن فضاءات للذكر والعبادة فحسب، بل كانت أيضاً مراكز للعلم والتربية والتواصل والتكافل، وحافظت على تقاليد دينية وروحية تناقلتها الأجيال.
وهكذا، تحولت الطريقة العلاوية بإيكسان إلى فضاء لاستعادة ذاكرة الريف الدينية، وربطها بالخصوصية المغربية القائمة على المالكية والأشعرية والتصوف، مع استحضار البعد الإنساني في الرسالة النبوية، كما تجسده قيم الرحمة والتعايش واحترام الآخر.
وفي زمن تتسع فيه مساحات الصدام الديني والثقافي، بدت الرسالة التي حملتها هذه المناسبة أبعد من حدود الاحتفال بالمولد النبوي أو إحياء موسم صوفي؛ إنها دعوة إلى استعادة الروح المغربية في بعدها المتوازن، وإلى قراءة التاريخ الديني للمغرب باعتباره رصيداً حضارياً يمكن أن يسهم في بناء جسور التواصل بدل جدران القطيعة.
ومن قلب الريف، حيث يستحضر التاريخ إمارة النكور ومسارات العلم والتصوف، جاءت المناسبة لتطرح سؤالاً أكبر من طقوس الاحتفال: هل يستطيع التصوف المغربي، بما راكمه من قيم روحية وإنسانية، أن يستعيد موقعه كقوة ناعمة في مواجهة التطرف والانغلاق؟ تلك هي الرسالة التي تجعل من الموسم السنوي للطريقة العلاوية بإيكسان أكثر من مجرد مناسبة روحية عابرة، وتحول الاحتفال بالمولد النبوي إلى موعد لاستعادة ذاكرة روحية مغربية ما زالت تبحث عن مكانها في حاضر متغير.
