kawalisrif@hotmail.com

القدس تهتز بمسيرة تحمل اسماً صادماً … “مسيرة العاهرات” تعود إلى الواجهة وتفتح ملف الاغتصاب والسلاح

القدس تهتز بمسيرة تحمل اسماً صادماً … “مسيرة العاهرات” تعود إلى الواجهة وتفتح ملف الاغتصاب والسلاح

عادت حركة الاحتجاج العالمية المعروفة باسم “SlutWalk” أو “مسيرة العاهرات” إلى شوارع القدس، أول أمس ، في مشهد يصعب المرور عليه مرور الكرام، ليس فقط بسبب الاسم الذي يبدو للوهلة الأولى وكأنه عنوان لمواجهة أو فضيحة، بل بسبب الرسائل التي حملتها المسيرة ضد العنف الممارس على النساء، وما يصفه المشاركون بـ”ثقافة الاغتصاب”، فضلاً عن الاحتجاج على انتشار الأسلحة النارية. وكأن القدس، المثقلة أصلاً بكل أشكال التوتر، كانت تحتاج فقط إلى مسيرة بهذا الاسم حتى تشتعل الأسئلة من جديد.

المسيرة لم تكن مجرد تجمع احتجاجي عابر، إذ اختار المشاركون رفع شعارات تنتقد حمل الأسلحة النارية، بالتوازي مع المطالبة بمواجهة العنف ضد النساء ورفض تحميل الضحايا مسؤولية الاعتداءات التي يتعرضن لها. وظهرت أيضاً شعارات سياسية واجتماعية مرتبطة بقضايا أخرى، من بينها قضايا مجتمع الميم والصراع الطبقي، لتتحول الشوارع إلى خليط احتجاجي واسع، كل طرف فيه يحمل ملفاً مختلفاً، فيما يجمعهم شعار واحد: الاحتجاج على ما يعتبرونه أشكالاً من الظلم والتمييز.

لكن يبقى الاسم هو أكثر ما يخطف الأضواء. “مسيرة العاهرات”… نعم، هكذا حرفياً. اسم قد يجعل البعض يتساءل إن كان الأمر يتعلق بمسيرة احتجاجية أم بعنوان اختير عمداً لإثارة الصدمة. والحقيقة أن الصدمة هنا مقصودة، فالاسم نفسه جاء كرد احتجاجي على خطاب كان يحمل النساء مسؤولية تعرضهن للتحرش أو الاعتداء بسبب ملابسهن أو مظهرهن.

وتعود جذور الحركة إلى كندا سنة 2011، عندما أثار تصريح لضابط شرطة في مدينة تورنتو غضباً واسعاً بعدما دعا النساء إلى تجنب ارتداء ملابس وصفها بأنها شبيهة بملابس “العاهرات”، في سياق حديثه عن تفادي الاعتداءات الجنسية. ومن هنا بدأت المفارقة؛ عبارة قيلت في سياق تحميل المرأة جزءاً من مسؤولية ما قد تتعرض له، تحولت إلى اسم لحركة احتجاجية تقول ببساطة: المشكلة ليست في لباس الضحية، بل في الشخص الذي يعتدي عليها.

وبهذه الطريقة، اختارت الحركة أن تستعيد الكلمة التي اعتُبرت مهينة وتحولها إلى شعار احتجاجي. إنها واحدة من تلك الحيل الاحتجاجية التي تقول للخصم: إذا كنت تريد استخدام الكلمة كسلاح ضدنا، فسوف نأخذها منك ونضعها على لافتة وننزل بها إلى الشارع. وقد يبدو الأسلوب صادماً، وربما مستفزاً، لكنه جزء أساسي من فلسفة الحركة.

ومنذ انطلاقها، انتقلت SlutWalk من كندا إلى مدن مختلفة حول العالم، وأصبحت مرتبطة بمناهضة الاغتصاب والتحرش والعنف ضد النساء، والدفاع عن فكرة أساسية مفادها أن ملابس المرأة أو مظهرها أو أسلوب حياتها لا يمكن أن تتحول إلى “رخصة” للاعتداء عليها. وبعبارة أخرى، لا توجد خزانة ملابس في العالم تمنح المعتدي حق ارتكاب جريمة، مهما حاول البعض اختصار القضية في طول تنورة أو شكل قميص.

وفي القدس، تحولت المسيرة إلى فعالية سنوية، شارك فيها خلال السنوات الماضية مئات الإسرائيليين، خصوصاً من الشباب، للتنديد بما يسمونه “ثقافة الاغتصاب” ورفض ما يعرف بـ”لوم الضحية”، والتأكيد على حق النساء في ارتداء ما يخترنه دون أن يتحول ذلك إلى ذريعة لتبرير الاعتداء عليهن.

لكن المشهد لم يخل من المفارقات. فقد سار بالقرب من المشاركين عدد من اليهود المتشددين “الحريديم”، حيث توقف بعضهم لتصوير المسيرة، بينما أبدى آخرون اعتراضهم على شكلها ومضامينها. وهنا حضرت القدس بكل تناقضاتها؛ مدينة تتجاور فيها الأفكار المتصادمة، وتكفي بضعة أمتار أحياناً للانتقال من خطاب ديني محافظ إلى احتجاج اجتماعي شديد الجرأة، وكأن المدينة قررت أن تختصر في شارع واحد صراعاً ثقافياً كاملاً.

أما اللافت في نسخة هذه السنة، فهو الحضور القوي لقضية السلاح إلى جانب قضية العنف ضد النساء. فالمحتجون لم يكتفوا بطرح سؤال التحرش والاغتصاب، بل ربطوا ذلك بانتشار الأسلحة النارية، في رسالة مفادها أن العنف لا يبدأ دائماً في لحظة الاعتداء، وإنما يمكن أن يجد طريقه إلى المجتمع عبر ثقافة كاملة تتسامح مع مظاهر القوة والتهديد والإفلات من المسؤولية.

وهنا تصبح المفارقة أكثر وضوحاً: المجتمع يستطيع أن يدخل في نقاش طويل حول لباس المرأة، وأن يستهلك ساعات من الجدل حول كلمة في لافتة، وربما ينسى السؤال الأبسط والأكثر إحراجاً: لماذا يتحول المعتدي إلى متهم ثانوي، بينما تتحول الضحية إلى متهمة رئيسية؟ يبدو أن الإجابة عن هذا السؤال أصعب بكثير من الاعتراض على اسم مسيرة.

وبين اسم صادم وشعارات غاضبة واحتجاج على السلاح والعنف، أعادت “مسيرة العاهرات” في القدس فتح نقاش يتجاوز حدود المسيرة نفسها. فالمعركة، وفق المشاركين، ليست مع الكلمات وحدها، وإنما مع ثقافة تجعل الضحية مطالبة بتقديم تفسير عن ملابسها وتصرفاتها، بينما قد يُطلب من المعتدي، في بعض الحالات، مجرد تفسير لما فعله وكأن الجريمة تحتاج إلى “ظروف مخففة” قبل أن تُدان.

وفي النهاية، يبقى اسم الحركة جزءاً من فلسفتها الاحتجاجية، وليس وصفاً للمشاركات فيها. إنه محاولة لقلب الطاولة على خطاب الإدانة، وتحويل الكلمة التي استُخدمت لإهانة النساء إلى أداة للاحتجاج على العنف الممارس ضدهن. قد يختلف الناس حول الاسم، وقد يعتبره البعض مستفزاً أو غير مناسب، لكن المؤكد أن الحركة نجحت في شيء واحد على الأقل: جعلت الجميع يتحدثون عن القضية، حتى أولئك الذين دخلوا النقاش من بوابة الاسم وخرجوا منه أمام سؤال الاغتصاب والعنف والسلاح.

06/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts