يبدو أن “الفراقشية” قرروا أخيراً توسيع مجال نشاطهم، فبعدما اعتدنا على قصص القطيع فوق اليابسة، ها نحن أمام نسخة بحرية تبدو وكأنها تستعد لافتتاح موسمها تحت الماء. واللافت أن المسرح هذه المرة ليس مكاناً عادياً، بل منتزه وطني يفترض أن تكون مهمته حماية الثروة البحرية، لا أن يتحول إلى “سوق مفتوح” لمن يريد اقتلاع ما تبقى من كنوز البحر.
أما المرجان الأحمر بمنطقة توبو، فيبدو أنه وجد نفسه أمام معادلة عجيبة: محمية على الورق في انتظار التفعيل، ومستباحة بالقرار! فقرار وزاري يحمل الرقم 06EL/2026 يفتح الباب أمام استخراج كميات تطرح أكثر من سؤال حول حدود الاستغلال، وحول تلك الحماية التي يبدو أنها تصبح أكثر مرونة كلما تعلق الأمر بما يوجد في قاع البحر.
القرار المذكور رخّص باقتلاع ما يصل إلى 5 أطنان من المرجان الأحمر من موقع واحد داخل المنتزه الوطني للحسيمة، أي في مجال يفترض، بحكم طبيعته القانونية والبيئية، أن يحظى بدرجة عالية من الحذر والاحتياط. خمسة أطنان من كائن بحري بطيء النمو والتجدد، ومن موقع واحد فقط… ويبدو أن البحر نفسه مطالب الآن بأن يقدم كشفاً حسابياً عن قدرته على تحمّل “التنمية”!
فحين يصل الأمر إلى ثروة بحرية حساسة، لا يعود السؤال متعلقاً فقط بما يمكن استخراجه، بل بما يمكن أن يتركه هذا الاستخراج وراءه. وهل يكفي أن يكون هناك ترخيص إداري حتى يصبح الاقتلاع مستداماً، أم أن للطبيعة حساباً آخر لا يظهر في دفاتر التراخيص؟
المفارقة تصبح أكثر صعوبة على الهضم عندما تتم مقارنة هذا الرقم بما هو معمول به في دول متوسطية أخرى. ففرنسا، وفي إطار حصتها، لم تمنح سوى 1400 كيلوغرام لفائدة 32 ترخيصاً، موزعة على خمس مناطق مختلفة، بينما حددت إيطاليا حصتها في 1378 كيلوغراماً لفائدة 40 ترخيصاً، موزعة على عدة مناطق تمتد بين جزيرتي سردينيا وصقلية.
وبعيداً عن اختلاف الأنظمة القانونية وآليات التدبير بين الدول، تظل المقارنة كاشفة من حيث حجم الكمية وطريقة توزيعها. ففرنسا وإيطاليا توزعان الكميات على عشرات التراخيص ومناطق متعددة، بينما يسمح القرار المغربي باقتلاع 5000 كيلوغرام من موقع واحد داخل منطقة محمية.
وهنا لا تعود المسألة مجرد أرقام جامدة في وثيقة إدارية، بل تصبح سؤالاً بيئياً صارخاً: كيف يمكن لموقع واحد داخل منتزه وطني أن يتحمل كمية تفوق، بفارق كبير، ما تخصصه دول متوسطية ضمن حصص موزعة على مناطق وتراخيص متعددة؟ وإذا كان الهدف هو حماية المخزون وضمان استمراريته، فإن تركيز كمية كبيرة في موقع واحد يستحق، على الأقل، تفسيراً علمياً مفصلاً.
والأكثر إثارة للانتباه أن الأمر يتعلق بالمرجان الأحمر، وليس بالسردين الذي يمكن أن يعود إلى البحر في موسم آخر، ولا بمورد سريع التجدد يمكن تعويضه في ظرف وجيز. نحن أمام كائن بحري مستعمر، بطيء النمو، حساس للاضطرابات، وتحتاج مستعمراته إلى سنوات طويلة حتى تتطور.
ومع ذلك، يبدو أن منطق “الاقتلاع” حصل على تصريح مرور أسرع من منطق “الحماية”. فالمشكلة ليست في استخراج مورد بحري من حيث المبدأ، وإنما في معرفة أين يتم الاستخراج، وكمية ما يُستخرج، وما هي قدرة المخزون على التجدد، وما إذا كان المكان نفسه يتحمل هذا الضغط دون أن يدفع النظام البيئي ثمناً باهظاً.
وهنا تحديداً تبرز الأسئلة الثقيلة حول الدراسة العلمية غير المعلنة للمهتمين، والتي أنجزها المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، والتي يفترض أنها شكّلت الأساس العلمي لتحديد الكمية المرخص باستخراجها. هل جرى فعلاً احتساب خصوصية الموقع الموجود داخل منطقة محمية مصنفة؟
وهل أُخذت أهداف المنتزه الوطني المتعلقة بالحفاظ على التنوع البيولوجي بعين الاعتبار بالصرامة نفسها التي أُخذت بها حسابات الكمية القابلة للاستخراج؟ ثم هل يمكن للرأي العام والباحثين والفاعلين البيئيين الاطلاع على المعايير التي اعتُمدت للوصول إلى هذه الكمية، أم أن الدراسة ستظل خلف أبواب مغلقة، بينما يبقى المرجان مكشوفاً أمام معدات الاقتلاع؟
ثم هناك سؤال أكثر إحراجاً: ما المعايير العلمية الدقيقة التي أوصلت إلى رقم 5 أطنان من موقع واحد؟ وهل التقييم اعتمد على تقدير حقيقي ومستقل للمخزون القابل للاقتلاع، أم أن الدراسة انطلقت من سؤال “كم يمكن أن نستخرج؟” بدل السؤال الأكثر أهمية: “كم يجب أن نترك حتى يبقى المرجان موجوداً؟”
فالفرق بين السؤالين ليس مجرد تلاعب بالكلمات، بل هو الفرق بين تدبير مورد طبيعي بعقلية الاستدامة، والتعامل معه بمنطق استخراج أقصى ما يمكن استخراجه. وفي المناطق المحمية تحديداً، يفترض أن تكون قاعدة الاحتياط هي الأصل، لا أن يصبح حجم الكمية هو العنوان الأبرز في القرار.
فالمنطق البيئي يفترض أن المناطق المحمية تُنشأ لتكون ملاذاً للثروة الطبيعية، لا مخزناً احتياطياً ينتظر دوره في جدول الاستخراج. وإذا كان الموقع داخل منتزه وطني، فإن معيار الحماية ينبغي أن يكون أكثر تشدداً، لا أكثر تساهلاً.
وإلا فما الفرق بين منطقة محمية ومنطقة تقول للبحر: “أنت محمي… إلى حين صدور الترخيص”؟ هنا تحديداً تصبح المفارقة قاسية؛ فالحماية التي تنتهي بمجرد توقيع وثيقة استخراج تبدو أقرب إلى حماية مشروطة، فيما يفترض أن تكون الأولوية للحفاظ على النظام البيئي قبل التفكير في حجم ما يمكن اقتلاعه منه.
أما منطقة توبو، التي أصبحت في قلب هذه المعطيات، فتستحق تحديداً تدقيقاً أكبر. فالحديث عن استخراج أطنان من المرجان الأحمر من موقع واحد يفرض طرح سؤال بسيط لكنه جوهري: ماذا سيبقى في قاع البحر بعد انتهاء عملية الاقتلاع؟
وهل توجد آلية شفافة وقابلة للتحقق لتقييم الأثر بعد الاستغلال، أم أن الحساب ينتهي بمجرد وزن المرجان ووضعه في الميزان؟ فالمورد البحري ليس مجرد كمية بالكيلوغرام، والضرر البيئي لا يمكن قياسه فقط بما خرج من البحر، وإنما أيضاً بما فقده النظام البيئي وما يحتاجه المخزون حتى يستعيد توازنه من جديد.
وتحت أنظار رئيس غرفة الصيد المتوسطية، الذي يسعى، بحسب الانتقادات المتداولة، إلى حصاد الغلة والتهام الصفقة، ويلتمس دعم “الكومندو” بغطاس ثالث لشفط القاع، تزداد الحاجة إلى توضيح كل التفاصيل المرتبطة بهذا الترخيص، خصوصاً أن الأمر لا يتعلق بمورد عادي، بل بثروة بحرية حساسة تقع داخل مجال يفترض أن يكون محمياً.
ومثلما أن المطالبة بالشفافية تعني ببساطة أن الترخيص باستغلال مورد حساس داخل منتزه وطني يجب أن يكون قابلاً للتفسير أمام الرأي العام، وبالأدلة والمعايير العلمية، لا بمجرد الأختام والتوقيعات.
والأخطر أن المقارنة الدولية لا تساعد كثيراً على تبديد هذه المخاوف، بل تزيدها حدة. فعندما تكون حصص دول متوسطية أخرى موزعة على عشرات التراخيص ومناطق متعددة، ثم يظهر رقم مغربي يصل إلى خمسة أطنان من موقع واحد داخل منطقة محمية، فمن الطبيعي أن يطالب الرأي العام والفاعلون البيئيون والباحثون بتفسير علمي واضح ومفصل.
فالمطلوب ليس إيقاف النقاش، وإنما فتحه على مصراعيه، وإظهار كيف جرى احتساب المخزون، وكيف تم تحديد الكمية، وما الضمانات التي تحول دون استنزاف المورد في موقع واحد. لأن الشفافية هنا ليست ترفاً، بل شرط أساسي عندما يتعلق الأمر بثروة طبيعية حساسة داخل منطقة يفترض أنها محمية.
القضية هنا ليست معركة ضد الصيادين ولا ضد الاستثمار في الموارد البحرية، وليست دعوة إلى تجميد كل نشاط اقتصادي. القضية أبسط وأخطر في الوقت نفسه: من يضمن أن استخراج المرجان اليوم لن يتحول إلى نهب للثروة البحرية على حساب أجيال الغد؟
ومن يضمن أن ما يسمى “استغلالاً مستداماً” لن يصبح، مع مرور الوقت، مجرد عبارة جميلة تُستخدم لتجميل عملية اقتلاع قد تكون آثارها أعمق بكثير من الأرقام المسجلة في الوثائق؟ فالاستثمار الحقيقي في البحر لا يقاس بما نخرجه منه اليوم، وإنما بما نضمن بقاءه فيه غداً.
لأن “الفراقشية” عندما تظهر فوق الأرض يمكن رؤيتها وملاحقتها، أما عندما تنزل إلى قعر البحر، فالمصيبة أنها تعمل بعيداً عن أعين الناس، وسط ظلام الأعماق، وبغطاء من الأوراق والأختام والتراخيص. وحينها قد نكتشف، بعد فوات الأوان، أن المنتزه الذي أُنشئ لحماية المرجان أصبح المكان الذي جرى فيه اقتلاعه بأكبر قدر من “الشرعية”.
وفي هذه الحالة، لن تكون المشكلة في غياب القوانين، بل في السؤال الأصعب: هل استُعملت القوانين لحماية الطبيعة، أم استُعملت الطبيعة لتبرير ما تسمح به القوانين؟ سؤال قد يبدو قاسياً، لكنه يصبح مشروعاً عندما يكون الحديث عن مورد بطيء النمو داخل منطقة يفترض أن تكون الحماية فيها خطاً أحمر.
وفي النهاية، يبدو أن غرفة الصيد البحري المتوسطية، بقيادة منير الدراز، قد وجدت في أعماق البحر ما لم تجده في دفاتر الحسابات: فرصة ثمينة لاستخراج “الغلة” من قاع منتزه يفترض أن تكون الأولوية فيه لحماية الثروة البحرية، لا تحويلها إلى غنيمة موسمية.
أما المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، صاحب الدراسات والتقديرات، فيبقى السؤال معلقاً فوق الماء: هل كانت مهمته أن يحسب ما يمكن للمرجان أن يتحمل، أم أن يحسب فقط كم يمكن انتزاعه قبل أن ينتهي المخزون؟ وبين غرفة تريد الحصاد ومعهد يفترض أن يزن المخاطر، يبقى المرجان الأحمر هو الطرف الوحيد الذي لا يملك غرفة تدافع عنه ولا دراسة يتحدث عبرها.
فالكائن الذي يحتاج إلى سنوات طويلة حتى ينمو، يمكن أن يختفي في ساعات إذا غابت قاعدة الاحتياط. وعندما يتحول المنتزه الوطني من حصن لحماية الثروة إلى مجال مرخص لاقتلاعها، يصبح السؤال أكبر من خمسة أطنان بكثير: هل نحن أمام استغلال مستدام فعلاً، أم أمام نسخة بحرية جديدة من “فراقشية قعر البحر”؟
