لم يكن عنوان صحيفة «لارازون» الإسبانية، قبل أشهر، مجرد سؤال عابر: «لماذا يربح المغرب دائماً؟.. مفاتيح المعركة الدبلوماسية». اليوم، ومع عودة ملف سبتة ومليلية إلى واجهة النقاش، عاد السؤال نفسه بقوة إلى منصات التواصل الاجتماعي، وكأنه يلخص حيرة متزايدة داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإسبانية تجاه الطريقة التي تدير بها الرباط ملفاتها الحساسة.
فبينما تنشغل مدريد بردود الفعل المتسارعة وتداعيات الجدل السياسي الداخلي، يراهن المغرب على أسلوب مختلف تماماً: الهدوء، الصبر، وتراكم الأوراق قبل التحرك.
وهنا تحديداً تكمن المفارقة التي تثير قلق عدد من المراقبين في إسبانيا. فالدبلوماسية المغربية لا تبدو مستعدة لخوض كل معركة في توقيتها الإعلامي، ولا تنجرف بسهولة وراء التصريحات أو الاستفزازات السياسية. بل تفضل الانتظار، وبناء التحالفات، وتوسيع هامش المناورة مع القوى الدولية، قبل الانتقال إلى الخطوة التالية.
وفي المقابل، تجد الحكومة الإسبانية نفسها أمام ملف شديد الحساسية، خصوصاً مع تصاعد النقاش حول مستقبل سبتة ومليلية، وهما مدينتان تحتلهما إسبانيا على الساحل الشمالي للمغرب.
ففي تلك الأزمة، اختارت الرباط سياسة ضبط النفس قبل أن تنتقل إلى التحرك الميداني في اللحظة التي اعتبرتها مناسبة. ومن منظور المراقبين، فإن هذه التجربة أصبحت جزءاً من الطريقة التي تُقرأ بها التحركات المغربية اليوم: لا استعجال، لا ضجيج، ولا كشف مبكر للأوراق.
ولهذا فإن سبتة ومليلية لا تبدوان بالنسبة إلى الرباط مجرد ورقة ظرفية يمكن استخدامها في سجال سياسي عابر، وإنما ملف يرتبط باعتبارات تاريخية وسيادية وجغرافية، ويحتاج إلى تراكم طويل للمعطيات والمواقف وموازين القوى.
وهنا يكمن السؤال الذي يبدو أكثر إزعاجاً لصناع القرار في مدريد: ليس ماذا سيفعل المغرب بشأن سبتة ومليلية، وإنما متى سيقرر التحرك؟
فالمعادلة التي تفرض نفسها، وفق هذا المنظور، هي أن الرباط لا تدخل كل معاركها عندما يطلب منها الآخرون ذلك، ولا تتحرك بالضرورة تحت ضغط الأحداث. إنها تنتظر اللحظة التي ترى فيها أن ميزان الأوراق أصبح أكثر ملاءمة لها.
وهذا تحديداً ما يجعل صمت المغرب في بعض الملفات قابلاً لتفسيرات متناقضة: هل هو تراجع؟ أم انتظار؟ أم إعداد لمرحلة جديدة؟
بالنسبة إلى أصحاب هذا التحليل، الإجابة واضحة: الصمت ليس بالضرورة غياباً عن المعركة، بل قد يكون جزءاً من إدارتها.
08/09/2026