في سبتة المحتلة، يبدو أن مدريد وصلت إلى مرحلة لم تعد فيها أزمة الهجرة تبحث عن حل، بل عن أي مساحة يمكن أن تستوعبها، حتى لو كانت تلك المساحة تقع داخل ميناء استراتيجي وتجاور أنابيب ومنشآت لتخزين ونقل المحروقات. وهكذا بدأت السلطات الإسبانية بالثغر تجهيز نحو 50 خيمة في رصيف بونينتي، تمهيداً لإقامة مخيم مؤقت قد يستوعب حوالي ألف مهاجر، في مشهد يكشف مرة أخرى حجم الارتباك الذي يطبع تدبير مدريد لملف الهجرة في المدينة المحتلة.
المفارقة أكبر من مجرد قرار إداري إسباني. فسبتة المحتلة ليست مدينة عادية، بل مدينة عالقة منذ عقود بين واقع جغرافي مغربي وإدارة إسبانية تحاول باستمرار تقديمها باعتبارها جزءاً طبيعياً من المنظومة الإسبانية. لكن عندما تتراكم الأزمات، من الهجرة إلى الضغط الاجتماعي والاقتصادي، يصبح هذا “الجزء الإسباني” فجأة محتاجاً إلى حلول استثنائية، وإلى تحويل الميناء إلى مخيم، وإلى تعبئة عشرات الخيام لاستيعاب نتائج أزمة لم تستطع مدريد منعها ولا احتواءها.
والأكثر إثارة للسخرية أن الموقع المختار ليس مجرد قطعة أرض فارغة. فالوثائق الرسمية الإسبانية نفسها تتحدث عن وجود أنابيب لنقل زيت الوقود والديزل، ومنشآت مرتبطة بتخزين المنتجات النفطية، فضلاً عن تجهيزات تستخدم في تموين السفن بالوقود. أي أن المكان الذي اختارته مدريد لإيواء حوالي ألف شخص يوجد في محيط منشآت يفترض أنها حساسة أمنياً ولوجستياً.
ووفق المعطيات الرسمية، تصل قدرة تخزين الوقود التابعة لشركة “بتروليفيرا دوكار” في منطقة بونينتي إلى حوالي 36 ألفاً و380 متراً مكعباً. كما توجد شبكة من الأنابيب والوصلات التي تربط منشآت التخزين بالميناء، بما في ذلك تجهيزات مخصصة لتفريغ الوقود من السفن ونقله إلى خزانات التخزين.
هنا تحديداً تظهر المفارقة التي يصعب تجاهلها: مدريد التي تتحدث باستمرار عن الأمن وحماية الحدود والمنشآت الحيوية، قررت أن تضع مخيماً كبيراً للمهاجرين بجوار بنية تحتية مرتبطة بالطاقة والوقود، ثم تقول إن الأمر يمكن تدبيره عبر إجراءات الحماية والمراقبة.
وكأن المعادلة أصبحت بسيطة جداً: إذا كانت هناك أنابيب وقود، نضع الخيام بجانبها؛ وإذا كان الميناء منشأة حساسة، نقول إن الأمن سيتكفل بالباقي!
حتى سلطات الاحتلال في سبتة المحتلة لم تستسغ القرار. فقد رفضت حكومة خوان خيسوس فيفاس استخدام الميناء لهذا الغرض واعتبرت الأمر “خطأً جسيماً”، بينما أبدى فاعلون اقتصاديون في المدينة مخاوفهم من تداعيات القرار على نشاط الميناء. أما مدريد، فاختارت تجاوز الاعتراضات والمضي في قرارها، مستندة إلى صلاحياتها على الملك العمومي المينائي.
وزير النقل الإسباني أوسكار بوينتي سمح مؤقتاً باحتلال مساحة تصل إلى 16 ألف متر مربع من المجال العمومي للميناء، لفائدة وزارة الهجرة، بهدف إنشاء فضاء يضم أماكن للنوم والإطعام والخدمات الطبية والمرافق الصحية. والغاية المعلنة هي نقل جزء من المهاجرين الموجودين في تجمعات عشوائية داخل سبتة إلى هذا المخيم.
يطرح المشهد سؤالاً أكثر عمقاً: كيف وصلت مدينة تقول مدريد إنها جزء لا يتجزأ من إسبانيا والاتحاد الأوروبي إلى مرحلة يصبح فيها ميناؤها الاستراتيجي هو الحل الأخير لإيواء المهاجرين؟
فإذا كانت سبتة جزءاً من فضاء أوروبي متطور، وإذا كانت مدريد تملك كل الإمكانيات والموارد والخبرات لتدبير الأزمات، فلماذا لم تجد فضاءً أكثر أمناً وملاءمة من منطقة تضم منشآت لتخزين ونقل المحروقات؟
ثم إن الحديث عن “حل مؤقت” لا يخلو بدوره من علامات استفهام. فكم من حل مؤقت في ملف الهجرة الإسباني تحول مع مرور الوقت إلى وضع دائم؟ وكم من مخيم أقيم في البداية تحت عنوان الاستعجال انتهى به الأمر جزءاً من المشهد العام؟
الأزمة هنا ليست أزمة مهاجرين فقط، بل أزمة تدبير. فبدلاً من معالجة جذور الظاهرة، يبدو أن مدريد تواصل التعامل مع نتائجها بمنطق رد الفعل: تصل أعداد كبيرة، فتبحث عن الخيام؛ تمتلئ المراكز، فتبحث عن فضاءات جديدة؛ يرفض الميناء، فتتدخل الحكومة المركزية؛ تظهر المخاوف الأمنية، فتأتي العبارة الجاهزة: “اتخاذ التدابير اللازمة”.
لكن المثير أن هذا كله يحدث في مدينة توجد على التراب الوطني المغربي، صاحب الأرض، الذي يجد نفسه في كثير من الأحيان في الواجهة عندما يتعلق الأمر بإدارة تدفقات الهجرة نحو سبتة ومليلية المحتلتين.
ومن هنا، فإن المشهد يحمل مفارقة سياسية أيضاً. فمدريد التي اعتادت تقديم سبتة المحتلة باعتبارها نموذجاً للحماية الأوروبية على الحدود الجنوبية، تجد نفسها اليوم أمام مدينة تضطر فيها إلى إقامة مخيم يضم ألف مهاجر في قلب ميناء حساس، وسط مخاوف من تأثير ذلك على منشآت الوقود وعلى النشاط المينائي.
إنها صورة تختصر الكثير: سياج وحدود وحراسة وميناء استراتيجي، ثم خيام للمهاجرين بين المنشآت الحيوية. وفي النهاية، كلما عجزت السياسة عن تقديم الحل، حضرت الخيمة باعتبارها “حلاً مؤقتاً”.
أما السؤال الأكبر، فهو لماذا تتحمل البنية التحتية لسبتة المحتلة فاتورة أزمة الهجرة كلما فشلت مدريد في إيجاد حل؟ ولماذا يتحول ميناء يفترض أن يكون محركاً للاقتصاد والتجارة إلى مساحة للطوارئ والهجرة والمخيمات؟
وقد تستطيع مدريد أن تنصب 50 خيمة، وأن تستوعب ألف مهاجر، وأن تحيط المكان بالحواجز والحراسة، لكنها لن تستطيع نصب خيمة فوق السؤال الحقيقي: إلى متى ستواصل إسبانيا إدارة أزمة سبتة المحتلة بمنطق الطوارئ، بدل أن تواجه أصل الأزمة؟
فالميناء قد يستوعب الخيام لبعض الوقت، وأنابيب الوقود قد تواصل عملها تحت الأرض، لكن شيئاً واحداً سيظل مكشوفاً فوق الجميع: حين تضطر مدريد إلى تحويل ميناء استراتيجي إلى مخيم للمهاجرين، فإن المشكلة لم تعد في عدد الخيام، بل في حجم الفشل الذي استدعى نصبها.
08/09/2026