لم يتردد حاكم سبتة المحتلة، خوان خيسوس فيفاس، منذ اللحظة الأولى في توجيه أصابع الاتهام إلى الرباط، محملاً إياها مسؤولية التدفق البشري الكبير الذي شهدته المدينة المغربية السليبة نهاية يوليوز. واليوم، عاد فيفاس لتجديد موقفه، معبراً عن قناعته بأن “المغرب يقف وراء ما حدث”، في تصريح يعكس استمرار التصعيد السياسي حول واحدة من أكثر الأزمات حساسية بين مدريد والرباط.
وذهب فيفاس أبعد من ذلك، عندما قال إنه يفترض أن أجهزة الاستخبارات كانت تتوقع حتى اليوم الذي سيقع فيه الاقتحام، في موقف يتعارض مع رواية رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، الذي أكد أنه لم تكن هناك تحذيرات مسبقة بشأن حجم التدفق البشري المرتقب. وبذلك، يفتح تصريح فيفاس باباً جديداً من الأسئلة حول ما كانت تعرفه الأجهزة الإسبانية قبل اندلاع الأزمة.
ويرى فيفاس أن المغرب “خطا خطوة إضافية” ضمن ما وصفه بموقف منهجي يهدف إلى خنق وإغراق وإسقاط وحشر سبتة ومليلية المحتلتين في الزاوية، معتبراً أن ما حدث يمثل تطوراً جديداً في طريقة التعامل مع المدينتين. وجاءت تصريحاته خلال لقاء إعلامي في مدريد، حضره حاكم ثغر مليلية خوان خوسيه إمبرودا، ضمن فعاليات منتدى الاقتصاد الجديد، حيث قدم الأزمة باعتبارها جزءاً من مواجهة سياسية أوسع.
وأضاف حاكم جيب سبتة أن هذه الاستراتيجية “نجحت بشكل جيد جداً”، لأنها، حسب تصوره، أعادت استخدام التحكم في الحدود كأداة لتحقيق أهداف سياسية، ووضع دولة عضو في الاتحاد الأوروبي تحت الضغط. وهي قراءة سياسية يطرحها فيفاس، في وقت لا تزال فيه التحقيقات جارية، بينما تحاول مدريد تفادي تحويل الأزمة إلى مواجهة مباشرة مع الرباط.
عادت وزيرة الدفاع الإسبانية، مارغريتا روبلس، إلى دائرة انتقادات زعيم الحزب الشعبي الإسباني، ألبرتو نونييث فيخو، على خلفية رفض الحكومة السماح لمديرة المركز الوطني للاستخبارات، إسبيرانثا كاستيلييرو، بالمثول أمام لجنة الأسرار الرسمية في البرلمان، وذلك في سياق التحقيقات المرتبطة بالاقتحام الجماعي لسبتة. ويعتبر فيخو أن منع المسؤولة الاستخباراتية من الظهور أمام النواب يترك أسئلة أساسية بلا إجابات.
وقال فيخو، الذي قدم فيفاس خلال اللقاء، إن وزارة الدفاع والحكومة لا يمكنهما عرقلة مثول مديرة جهاز الاستخبارات، مؤكداً أن “لجهاز الاستخبارات مسؤولية مباشرة، ولا يحق لأحد منع مثولها”. وأضاف موجهاً كلامه إلى روبلس: “ليست، ولا يمكن أن تكون، الناطقة باسم جهاز الاستخبارات”، في انتقاد مباشر لأسلوب الحكومة في التعامل مع المعلومات المرتبطة بالأزمة.
كما اعتبر فيخو أن فيفاس، من خلال دفاعه عن السيادة الإسبانية على سبتة المحتلة وتصريحاته التي وجهت منذ البداية أصابع الاتهام إلى الرباط، قد أفشل “خطة” كانت، بحسب تصوره، تبدأ بالاقتحام، ثم تنتقل إلى “الاستسلام” وتنتهي بـ**”تقديم سانشيز تنازلاً ما للرباط”**. وهي اتهامات سياسية ثقيلة يوجهها زعيم المعارضة إلى الحكومة، من دون أن تكون هذه الرواية قد ثبتت بشكل مستقل.
وكان فيخو قد وجه، خلال نهاية الأسبوع وفي نشاط سياسي إلى جانب رئيسة حكومة مدريد إيزابيل دياز أيوسو، رسالة مباشرة إلى روبلس، مطالباً إياها بالسماح لمسؤولة الاستخبارات “بإخبارنا بالحقيقة”. وحذرها من أنه إذا حالت دون مثولها، فإنها ستصبح، حسب تعبيره، مثل بيدرو سانشيز، في تصعيد واضح للهجوم السياسي على الحكومة.
وأشار زعيم الحزب الشعبي إلى صورة روبلس داخل البرلمان يوم الخميس الماضي، عندما بقيت جالسة في مقعدها، بينما وقف باقي أعضاء الحكومة وصفقوا لإعلان نشر جميع التقارير السابقة الصادرة عن أجهزة الاستخبارات والشرطة بشأن خطر اقتحام الحدود. واعتبر فيخو أن المشهد يعكس، من وجهة نظره، تناقضاً بين خطاب الحكومة حول الشفافية وبين طريقة تعاملها مع الملف داخل المؤسسات.
وطالب فيخو كذلك الحكومة الإسبانية بتوضيح طبيعة اتصالاتها مع الحكومة المغربية، وما إذا كانت قد نقلت إليها رسالة واضحة بشأن “إسبانية” سبتة ومليلية، وفق تعبيره. وقال إن المطلوب في نهاية المطاف هو “معرفة ما الذي نقلته إسبانيا إلى المغرب، وما الرد الذي تلقته”، مطالباً أيضاً باستدعاء سفيرة المغرب في مدريد، في خطوة من شأنها رفع مستوى الضغط السياسي على حكومة سانشيز.
وفي المقابل، دعا نائب رئيس الحكومة الأول ووزير الاقتصاد، كارلوس كويربو، إلى “أقصى درجات الحذر” في التعامل مع المغرب، في وقت تتواصل فيه التحقيقات بشأن ما جرى. ويكشف هذا الموقف عن حساسية الملف داخل الحكومة الإسبانية، خصوصاً أن أي تصعيد سياسي مع الرباط قد يفتح جبهات إضافية في ملفات الهجرة والأمن والتعاون الثنائي.
ويأتي لقاء مدريد أساساً في إطار إظهار الدعم السياسي من الحزب الشعبي لرئيس حكومة سبتة، فيفاس، الذي من المرتقب أن يتوجه هذا الأسبوع إلى بروكسل للقاء عدد من المسؤولين الأوروبيين، من بينهم مفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون الداخلية والهجرة ماغنوس برونر. ويراهن الحزب الشعبي على نقل النقاش من المستوى الإسباني إلى المستوى الأوروبي، وتحويل أزمة سبتة إلى قضية حدود أوروبية.
وفي خضم هذه المسرحية السياسية، يبدو أن مدريد اكتشفت وصفة سحرية لإدارة الأزمات: حين تضيع الإجابات، يُستدعى المغرب؛ وحين تختفي الحقائق، يُرفع اسم الرباط؛ وحين تتعقد الأسئلة، يصبح فيفاس خبيراً في النوايا، وفيخو خبيراً في الأسرار، وسانشيز مطالباً بتفسير كل شيء إلا ما يحدث داخل بيته السياسي. إنها وصفة مثالية للهروب من أصل الحكاية، وتحويل كل فشل في التدبير إلى قصة جديدة عنوانها دائماً: “المغرب فعلها”.
والأكثر إثارة للسخرية أن كل هؤلاء يريدون من الاستخبارات أن تكشف الحقيقة، لكن يبدو أن الحقيقة نفسها هي آخر ضيف مرغوب فيه في هذا الحفل السياسي. ففيفاس يتهم، وفيخو يزايد، وروبلس تدافع، وسانشيز يصمت، بينما تتحول سبتة إلى ورقة انتخابية جاهزة للاستهلاك كلما احتاجت مدريد إلى عدو خارجي يلمّع خطابها الداخلي. باختصار، إذا كانت هذه هي “الحقيقة” التي يبحثون عنها، فربما عليهم أولاً أن يبحثوا عنها في مرآة مدريد، قبل أن يواصلوا توزيع أصابع الاتهام على الضفة الأخرى.
.
08/09/2026