في قضية تختزل مفارقة الهجرة والإقامة في فرنسا، وجد مواطن مغربي يبلغ من العمر 57 عاماً نفسه مهدداً بالترحيل إلى المغرب، بعدما أيد القضاء الفرنسي قرار السلطات القاضي بإبعاده من البلاد، رغم أنه وصل إليها طفلاً في العاشرة من عمره، وقضى فوق ترابها نحو 47 عاماً.
الرجل، المزداد بالمغرب سنة 1969، وصل إلى فرنسا حوالي سنة 1979، وهو في العاشرة من عمره، ومنذ ذلك الحين عاش الجزء الأكبر من حياته هناك، قبل أن يجد نفسه، بعد عقود طويلة من الإقامة، في مواجهة قرار إداري وقضائي قد ينهي وجوده في البلد الذي قضى فيه معظم سنوات عمره.
وتعود القضية إلى ماي 2025، حين تقدم المعني بالأمر بطلب للحصول على تصريح إقامة، غير أن محافظ إقليم جيروند رفض الطلب، معتبراً أن وجوده في فرنسا لا يستند إلى وضع قانوني يخول له مواصلة الإقامة.
ولم يتوقف الملف عند الرفض الإداري، إذ صعّدت السلطات الفرنسية إجراءاتها في غشت 2026، بإصدار قرار يقضي بترحيله بشكل فوري، من دون منحه مهلة للمغادرة الطوعية، ما جعله أمام خطر الإبعاد نحو المغرب، البلد الذي غادره طفلاً قبل ما يقارب نصف قرن.
كما أخضعته السلطات للإقامة الجبرية لمدة 45 يوماً، مع إلزامه بمراجعة مصالح الشرطة مرة كل أسبوع، في انتظار تنفيذ قرار الترحيل.
وأمام هذا القرار، لجأ المواطن المغربي إلى القضاء للطعن فيه، غير أن المحكمة الإدارية بمدينة بوردو رفضت، في 2 شتنبر 2026، الطعن الذي تقدم به، مؤكدة قانونية قرار السلطات الفرنسية القاضي بإبعاده، بسبب عدم توفره على الوثائق القانونية المطلوبة للإقامة.
وبهذا القرار، وجد الرجل نفسه أمام مفارقة قاسية: فرنسا التي وصل إليها وهو طفل في العاشرة، وعاش فيها الجزء الأكبر من حياته، قد تتحول اليوم إلى بلد يطالبه بمغادرته، بعدما أصبح وضعه القانوني عائقاً أمام مواصلة الإقامة فيه.
وتعيد هذه القضية إلى الواجهة مصير مهاجرين أمضوا عقوداً طويلة في فرنسا، خصوصاً أولئك الذين وصلوا إليها في سن الطفولة، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام جدار قانوني يصعب تجاوزه عندما لا تكون وضعيتهم الإدارية مستوفية للشروط المطلوبة.
وبينما ينظر القضاء إلى القضية من زاوية قانونية مرتبطة بوثائق الإقامة، تظل المفارقة الإنسانية حاضرة بقوة: رجل في السابعة والخمسين من عمره، قضى نحو 47 عاماً في فرنسا، بات مهدداً بالعودة إلى بلد غادره وهو طفل، وكأن كل تلك السنوات لم تكن كافية لترسيخ حياته في البلد الذي نشأ وكبر فيه.
هكذا، قد يُختزل الملف في نظر الإدارة والقضاء في مسألة تتعلق بالإقامة والوثائق القانونية، لكنه بالنسبة إلى صاحب القضية يتجاوز بكثير مجرد ورقة إدارية؛ فهو رجل غادر المغرب طفلاً، وكبر في فرنسا، ثم وجد نفسه في خريف العمر أمام قرار قد يعيده إلى نقطة البداية.
والسؤال الذي تتركه هذه القضية معلقاً في الهواء: هل تكفي ورقة إقامة غائبة لإلغاء 47 عاماً من الحياة؟ بالنسبة إلى القانون، قد يكون الجواب محسومًا، لكن بالنسبة إلى رجل قضى معظم عمره في فرنسا، فإن قرار الترحيل لا يبدو مجرد تغيير لعنوان السكن، بل اقتلاعاً متأخراً من المكان الذي تشكلت فيه حياته.
08/09/2026